الأحد، 19 فبراير 2012

ألغام الذكريات ( أنا و أبى و شبرا )



أحيانا لا نعشق الأمكنة لذاتها
بل نعشقها للأرواح التى سكنت فيها 

هناك بعض الاماكن التى كلما خطونا إليها تفجرت فى عقولنا ألغاما من الذكريات و تفتحت داخل أذهاننا  سلسلة من الصور  والمشاهد التى عشناها فى تلك الأماكن و التى لم تكن لها ان تتفتح لولا ان خطونا بأرجلنا إلى تلك الأماكن وضغطنا على أحاسيسنا بكل قوتنا فتفجرت بداخلنا مجموعة من ألغام الذكريات , ففى الأسبوع الماضى شاء حظى أن أذهب إلى أحد هذه الأماكن وهو حى شبرا , ذلك الحى القديم الذى عاش و تربى فيه والدى الحبيب رحمة الله عليه , عشت عمرى كله لم أخطو إلى هذا الحى إلا ويدى فى يد أبى , كان يأخذنى معه فى أيام عطلته القليلة جدا , أتذكر حين كان يعود من العمل نتناول الغداء معا و يذهب لينام قيلولته و قبيل النوم يطلب منى أن أوقظه فى الساعة الثامنة مساءا و يقولى " حنروح لستك" كنت أفرح كثيرا و على الرغم من أن أبى كان يعود منهكا من العمل و كانت ساعة القيلولة بالنسبة له طوق نجاة لأنه كان يظل مستيقظا بالأسابيع بحكم عمله الشاق ولكنى كنت أصر أن أوقظه فى تمام الساعة الثامنة أو الثامنة و النصف , على الرغم أن أمى كانت تنصحنى أن اتركه لينام و يرتاح و ألا أزعجه ولكنى كنت أصر و أدخل عليه مرارا و تكرارا حتى يستيقظ و يطلب منى أن أرتدى ملابسى فألبسها على الفور , أتذكر جيدا كم من عطلة لأبى نزلت معه انا وأختى , كنت أطلب منه ألا يصطحب السواق معنا حتى نكون على راحتنا أكثر فنطلق النكت و نضحك من قلوبنا كنت أركب أنا فى الخلف و تركب أختى بجانب أبى و كنت أفتح النافذة و أخرج وجهى لكى تداعبى نسمات الهواء الباردة فأشعر كأنى طير فى السماء خاصة إذا قاد أبى السيارة بسرعة شديدة و هبت النسمات والرياح على وجهى أكثر و أكثر , هذه الحركة الطفولية كانت تسعدنى كثيرا , كنت أشعر بالحرية و السعادة و الإطمئنان و أنا فى ظل هذا الرجل العظيم , حتى نصل إلى شبرا حيث تقطن جدتى رحمة الله عليها , أتذكر تلك الشوارع الضيقة و الإزدحام الشديد و المدارس العتيقة و ذلك المخبز المسمى ب(( وسيلى )) كان أبى دوما يشترى لنا منه الخبز الفينو اللذيذ المغطى بالسمسم , كنا نصعد إلى جدتى التى يقفز قلبها من السعادة حين ترى أبى , كانت تحبه حبا جما وتغمره بسيل من الدعاء و كان أكثر دعاء كنت أسمعها تقوله هو " يارب أشوفك وزير" ومع الأسف ماتت جدتى قبل أن ترى ذلك الحلم ولأن أبى كان يحبها كثيرا فقد لحق بها بعد ثمانية أشهر بالضبط , وبقيت أنا لأتعذب بزيارة هذا الحى وحدى , شتان بين إحساسى بذلك الحى حين كنت أذهب إليه مع أبى و إحساسى به حين ذهبت إليه فى الأسبوع الماضى , فبعد ما كنت أتعمد أن أخرج رأسى من النافذة لأضحك و أشارك أبى فى الحديث طيلة الطريق , تعمدت فى الأسبوع الماضى أن أغلق النافذة و أغلق عينى حتى لا أرى تلك الشوارع و تتفجر بداخلى ألغام الذكريات و تتفجر بعينى أنهار من الدموع , فرحمة الله على من أسعدنى و أمتعنى و حمانى ورعانى وكان لى الأمان وكل شىء جميل. مايدهشنى حقا و أنا أكتب الأن أن تلك الأحداث التى كنت أقوم بها فى الماضى القريب جدا أصبحت فى سجلات الماضى البعيد , أصبحت حكايات أحكيها بعد ما كنت أشارك فيها , وصدق أمير الشعراء حين قال " إختلاف النهار والليل ينسى ...... إذكرا لى الصبا و أيام أنسى "