الأحد، 2 مارس 2014

واجب عزاء

                                       


واجب عزاء فى الليل يستلزم سفرنا لبلدتنا القديمة ، واجهت نفسي بحقيقة إنى أصبحت أحب الذهاب إلى سرادق العزاء ، وحاولت أن أفكر فى الاسباب العميقة لحبى الغريب هذا فوجدت أنه ربما فى تلك المناسبة  أستطيع أن أعبر عن بعض من مشاعر الحزن التى أخفيها طيلة الوقت فتتحرر على وجهى دون أن يسألني أحد  ماذا بك ؟ أستطيع أن أظهر دموعي دون خجل ، ولن يجرؤ أحد على الاستفهام حول سبب جريان تلك الدموع ، كما أن سماع تلاوة القرآن بصوت مرتفع تجعلني أفيق من غفوتى الطويلة و بعدى عن الله ، فى العزاء أيضا أرى أقاربى الذين لا تجمعني بهم الأيام العادية و يفتقدهم القلب بشدة فيجد من تلك المناسبة فرصة لرؤيتهم و إحتضانهم حقا " رب ضارة نافعة " إنطلقنا بسيارتنا فى ذلك الطريق الزراعي الطويل ، تشابهت مع السماء فى تلك الليلة فكلانا متشح بالسواد ، تكاسل القمر و لم يظهر ، تشابهت أيضا مع تلك الأشجار و النخيل المتناثر على جانبي الطريق والذي لطالما شعرت أنه ينتظر مثلى أحبائه ليسلم عليهم و يودعهم بعد ذلك بسويعات ، ينتظر المسافرين و يودع العائدين ، تسللت إلى أنفي تلك الرائحة التى أعرفها جيدا فهى  علامة مميزة لذلك الطريق " رائحة حرق قش الأرز" على الرغم أنها كريهة إلا إني بت أحبها فهى ترتبط عندى بذلك الطريق الذى لطالما سافرت مع والدى فيه رحمة الله عليه فى الزمن الجميل ، فتحت النافذة على الرغم من توبيخ أمى التى تطالبنى دوما بغلقها حتى لا يتسرب إلينا الغبار وعوادم السيارات ، تلك الأخيرة التى راحت تتكدس واحدة تلو الأخرى و تلتهم الفراغات الموجودة فى كل شارع سيارات نقل كبيرة عليها كثير من البضائع والزحام لا يطاق ، أبواق السيارات كادت أن تصيبنى بالصمم فوضعت فى أذني السماعات ورحت أتلذذ بسماع كاظم وأسرح بكلماته بينما حولى المشهد يزداد إزدحاما و الناس تتكدس و تكتظ أكثر فأكثر ، تجاوزنا الزحام وبدأت تلك الغيطان تظهر شيئا فشيئا و تلك المصانع الصغيرة و المنازل الطينية البسيطة المتراصة و المنبعث منها أضواء ملونة بالفسفورى و الأزرق والأحمر ، تلك المأذنة فى الظلام خوفتنى كثيرا تخيلتها رجل طويل و نحيل يقف صامدا وسط الظلام ، وصلنا بعد ساعتين و نصف تقريبا إلى البيت الكبير ، هكذا يطلقون عليه على الرغم أنه ليس بكبير ، هو فقط منزل الجدة ، منزل ريفي بسيط ، فى شارع جانبي ، بابه مفتوح دوما للزوار ، يجلس على أول سلمتين منه الأحفاد الصغار يقفزون و يلعبون أمام السيارات دون خوف أو تردد ، دخلنا إلى الصالة الكبيرة حيث تجلس نساء العيلة ، سيدات ممتلئات ومتشحات بالسواد ، على ملامحهن كل علامات الإجهاد والطيبة ، يفتحن أذرعهن لإحتوائك فتغوص داخل قلوبهن العامرة بالنقاء والصفاء ، يحاولن الإبتسام فى وجهك على الرغم من جروحهن الغائرة و حزنهم على الفقيد ، يصنعون لك كوبا من الشاى الثقيل الأسود ، تتجرعه لكي لا تحرجهم على الرغم من مرارته لكن ترحابهم يضفو على الجلسة مزيدا من السكر ، تأملت البيت والجدران المتهالكة و الطلاء الذى يتساقط ، والوجوه المجهدة ، كلا منهن تعتبر كل فتاة إبنتها وكل صبي إبنها ليس بينهم تكليف أو تحفظ أو كبر ، يتعاملوا بعفوية مطلقة ، وحين همت أمى بالقيام  تمنيت شيئا واحدا تمنيت أن أجرى على إحدى غرف النوم و أنام وسطهم ولا أعود إلى المدينة ، هنا على الرغم أن كل شىء قديم وفقير ولكن قلوبهم جميلة وجديدة كأنها خلقت للتو عكس المدينة الأثاث جديد وفاخر والقلوب سوداء و صدئة .....2-3-2014