" حقا وصدقا أصبحت أشفق
عليكى يا أمى , و أشفق على نفسى , وأود أن أصارحك أنك أنت المسئولة عن هذا التغيير
السلبى الذى طرأ على نفسى و الذى لم أكن اود أن يحدث أبدا " هكذا بدأت
رسالتها التى عزمت مؤخرا على كتابتها فى تلك الليلة حين أرهقتها أفكارها و قذفها
ضميرها باللوم و التقريع و أشترط عليها أنه لكى يكف عن تعذيبها و جلدها فلابد أن
تصارح أمها بكل شىء ... ولكن أتصارحها حقا ؟؟!! كانت الصراحة دوما ذنبها و الوضوح
خطيئتها , عاشت حياتها وهى كالكتاب المفتوح للجميع وعلى رأسهم والدتها , ما تراه
تحكى عنه فور عودتها للمنزل ما يشعر به قلبها ينقله لسانها حرفيا كأنه وكالة أنباء
محترفة تنقل ما يكن صدرها من مشاعر و أحاسيس , إذا حزنت تحكى و إذا إكتئبت تحكى و
إذا طارت من فرحتها ( وهذا يحدث قليلا جدا ) تحكى أيضا لوالدتها , تحكى بلاخوف ,
فقلبها يضيق ذرعا بأى سر تخبئه فيه , يطالبها بإطلاق سراح ذلك السر الحبيس فورا و
تسليمه إلى والدتها أو صديقتها المقربة , كانت تتعجب كثيرا من الآخرين المتكتمين والذين
لا ينطقون إلا قليلا و تتساءل كيف لهم أن يحتفظوا بأسرارهم و يكتموها عن المقربين
منهم وعلى رأسهم " أمهاتهم" فهى لا تقوى على ذلك كيف يناموا و يتناولوا
فطورهم و ينظروا لبعضهم البعض دون " الفضفضة" والبوح الذى يريح كثيرا ... وها هى الأيام تدور و تمر و تعلمها التجارب
القاسية أن تصبح مثلهم تتكتم و لا تقول إلا القشور أما الخبايا فلا تحكيها إلا لمن
سيفهما و يقدرها , فلطالما ندمت على وضوحها هذا الذى جلب لها المتاعب النفسية التى
لا حصر لها عندما كبرت أدركت لماذا تخفى الكثير من الفتيات أسرارهن عن أمهاتهن فهى
كانت تخالفهم الرأى وترى أنها تنام قريرة العين هادئة النفس مرتاحة الضمير حين
تحكى كل ما فى جعبتها لوالدتها ولكن حين جاء اليوم الذى كبرت فيه و صارحت والدتها
بمشاعرها و بصدق حبها لفارس أحلامها كان وبال عليها , كانت تظن أن والدتها ستقدر
لها شفافيتها ووضوحها و أنها ستنصحها بهدوء وحتى و إن أعترضت فهى لها كامل الحق
للإعتراض ولكن الإعتراض بحنان و النصح بهدوء و تفاهم ولكن حدث العكس وضوحها وصراحتها تم ترجمته على
أنه وقاحة و بجاحة من فتاة صغيرة تطلع إلى الحب و الإرتباط بمن تريد وهذا لا يصح
ولا يجوز فى ظل الأعراف التقليدية الرتيبة
, كم تمنت أن تكون والدتها هى صديقتها , تعطيها الآذان الصاغية و ينصت قلبها الطيب
دون ملل أو كلل لحكايتها , كم تمنت أن تعطيها والدتها الثقة و الفرصة لتختار من
تريد و تخوض تجربتها و تتحمل مسئوليتها ولكن ما حدث كان العكس تماما , عوقبت على
صراحتها مرارا و تكرارا و تم تهديدها بسحب الكثير من الإمتيازات المعطاه لها
كخروجها مع صديقاتها وممارستها لعملها , فبعد ما كانت كتابا مفتوحا أصبحت صندوقا
خشبيا مغلقا بأقفال الخوف و التكتم , أصبحت تستمع لنصائح لم تكن تود أن تستمع
إليها تفعل ما تريد ولكن دون البوح , تفعل ولكن ما تفعله ليس حراما فلايزال ضميرها
يراقبها فى كل خطوة فهذه هى بذرة التربية الصالحة لا الصارمة و تتعذب داخلها و
تقول لو أن أمها تتفهمها و تستوعبها لحكت لها لو أن أمها أدركت أن الصراحة ليست
وقاحة و لكن هى إطمئنان و ثقة بأن أمها هى أقرب المخلوقات لقلبها وعليها أن
تحتويها بنصائها لا بشجبها و نهرها على كلمة و فعل .... أصبحت تنظر لأمهات صديقتها
و تحسدهن على أن أمهماتهم عصريين مواكبين العصر الحديث يسمعوا من بناتهم و
يشاركوهم فى الرأى , يمارسوا معهم الديمقراطية لا الديكتاتورية , أصبحت بحق تحسدهم
لو أن أمها تعى كم المشاعر السلبية و الحسرات التى بات قلبها يشعر بها لمجرد أنها
تخفى عن أمها حكاياها و لمجرد أن أسلوب أمها المتعسف غير من شخصيتها التى كانت
تتباهى بنقائها , لو أن أمها لاحظت الحواجز التى وضعتها بينها و بين إبنتها ,
حواجز نفسية , تبعدها عن قلب إبنتها كثيرا آلاف الأميال , هكذا خطت تلك الرسالة ووقعت عليها بدموعها
التى راحت تمسحها بكلتى يديها و قررت أن تضع هذا الجواب على طاولة الزينة
المقابلةلفراش والدتها و بعد أن أغلقت الجواب و وضعته نظرت لأمها النائمة فى هدوء
و قبلتها بعيونها و مشت عدة خطوات على أطراف أصابعها لكى تخرج من الغرفة المظلمة
دون أن توقظ والدتها و لكنها إستدارات فجاة ورجعت ثانية و أمسكت بالخطاب ومزقته
حتى أصبحت الورقة بودرة بيضاء , وحين سمعت والدتها صوتها تململت فى فراشها وقالت
لها " ألا زلت مستيقظة " ردت الإبنة " لا يا أمى جئت لأسالك أتودين
أن تشربى " وإستغفرت ربها على تلك الكذبة و لكنها حمدته أن أمها لم تلحظ
تمزيقها للخطاب فتلك الورقة اللعينة كانت ستتسبب لها فى حرمانها من حريتها ولا
عزاء لضميرهاالذى يعذبها دوما و أبدا ..بقلمى
