السبت، 9 مارس 2013

شتان بين خميس اليوم وخميس الماضى



شتان بين خميس اليوم وخميس الماضى ...والمقصود هنا هى مقارنة بين أجواء يوم الخميس فى فترة الطفولة وفترة الجامعة و خميس هذه الأيام ....ففى الماضى كان الخميس بالنسبة لنا هو عيد ننتظره بفارغ الصبر يمثل لنا " لا للمذاكرة" ولا للواجبات , يمثل لنا أيضا الذهاب إلى جدتى مساءا فى مصر الجديدة و شرب زجاجات الكوكاكولا الصغيرة و أكل الشوكولاتة الكورونا ذات الورقة الحمراء ....تلك الوجبة الصغيرة كانت تدخل علينا أجواء من المتعة ونحن نتحدث و نضحك مع أبناء خالاتى ...نتسلل إلى تلك النافذة المطلة على الجيران وإبن الجيران و نسرق نظرات من  منزلهم المقابل  و نضحك من كل قلبنا ..ولأن خيبة الأمل تركب الجمل كان إبن الجيران فى أغلب الأوقات غير موجود ولكننا كنا نسعد برؤية والدته ووالده ( أهو حد من ريحته) ..و حين تنادينا جدتنا ونتظاهر بالبراءة و الوداعة و أننا مجرد جالسين نلعب " الكوتشينة" ولا بنبص على حد ولاحد بيبص علينا ... كم رسمنا من أحلام فى تلك النافذة وطارت ..أذكر أننى كنت أتسلل إلى غرفة جدتى و آخذ زجاجة العطر التى جاءت لها هدية و أضع منها عدة مرات فى " الكتمان" و أخرج وبراءة الأطفال فى عيناى ... الخميس أيضا كان موعدا لنا لشراء شريط جديد ل" على الحجار" أو " كاظم الساهر" نسمعه فى " الوكمان" ونحن جالسين فى السيارة فى طريقنا لجدتى  وأشعر أنى فوق السحاب ....الخميس كان يوم فرح وترقب بالنسبة لى شخصيا دونا عن إخوتى أو أبناء خالتى لماذا ؟ لأنه موعد برنامج " طلباتك إيه ....100 مسا على القناة الخامسة" هذا البرنامج الذى كان يأتى دوما بباقة من أغنيات الفيديو كليب و الذى كنت أجلس أمامه لمدة ساعة أو ساعتين لأنتظر قدوم أغنية لكاظم الساهر " ويا حبذا لو أغنية " قولى أحبك" ولسوء الحظ كنت أنتظر كثيرا و لا أراها بل أحيانا كانوا يذيعون أغنيات غاية فى السماجة والتفاهة ولا يأتون بمنية القلب ....ولأن خيبة الأمل كانت تحب أن تداعبنى حدث يوما أن أعلنوا فى بداية الحلقة أن هناك عشرة أغنيات من بينهم " كاظم الساهر" سيتم إذاعتهم فى تلك الليلة وجلست وكلى حماس و ترقب و أمل أشاهد جميع الأغنيات حتى يأتون بأغنيتى المفضلة وفى وسط الجلسة قمت ألبى نداء الطبيعة وذهبت إلى الحمام وتأخرت قليلا وحين عدت كانوا قد أذاعوا أغنية كاظم فاكتئبت كثيرا .....ولعنت حظى القليل ...هكذا كانت أيام الخميس فى فترة طفولتى و تحديدا أيام المدرسة ..تلك الأيام الخالية التى كانت السعادة فيها حقيقية و تتمثل فى أشياء غاية فى البساطة و البراءة. ....أما عن الخميس فى فترة الجامعة فقد كان له وقعا مختلفا ...كان بالنسبة لى ليلة القدر وموعد من طال إنتظاره ... أذكر أننى كنت أنتظر أن تنتهى محاضرة " دكتورة سوزان آدم" ,والتى كانت بريطانية و متزوجة من مصرى مسلم  ولكنها ظلت على دينها المسيحى وكان لديها من الأبناء ثلاثة ولكن غالبا ماكانت تشعر بضيق من زوجها أو ندم على الزيجة لأنها سألتنا يوما عن " الخلع" وقالت أنها تريد أن تخلع زوجها وهى تضحك., المهم إنى كنت أنتظر إنتهاء تلك المحاضرة لكى أعدو بكل سرعتى للبيت حيث النت واللاب توب وخروج من طال إنتظاره فى أجازة من كليته العسكرية والتى تبدأ من الخميس الساعة الثالثة عصرا وحتى الجمعة السابعة مساءا كان مجرد ظهوره على ال ماسنجر , يرقص له قلبى طربا و تزغرد أناملى و تقرر أن ترقص فى حركات رشيقة على أزرار الكيبورد (( ويا حبذا لو بدأ هو بالسلام والتحية)) كانت تعنى لى الكثير والكثير كنت أجلس أمام اللاب توب بالساعات , كانت فرحة جميلة بريئة ..أن تشعر أن أحدا ينتظرك أو أنك تنتظر أحد , كنت أتمنى ألا ينتهى الخميس أبدا حتى لا أحرم من تلك التحيات والكلمات القليلات التى أعيش عليها بقية الأسبوع المقبل.كان الأمل كبير والخيال واسع والوهم يسكر العقل , كنت أتلذذ بتصديق كذبة نسجها الخيال وصدق عليها بعض الأحداث الواقعية القليلة , كنت أظن أن الخيال سيصبح واقعا فى يوم من الأيام , معجزة ما ستنزل علىّ و تمسح العبوس من على وجهى و ترسم بريشة السعادة إبتسامة لا تغادر وجهى حين أعيش مع من أحب ولكن كل شىء إنتهى ....أيام الخميس وقتذاك كانت أروع أيام فى حياتى , طعمها طعم الشوكولاتة الممزوجة باللبن , ألوانها جميلة مبهجة كقوس قزح ولكن الشوكولاتة إنتهت وحل مكانها واقع مر و ألوان قوس فزح بهتت وهطل عليها أمطار و غيم ورعد وبرق وعواصف ...أما عن الخميس فى الوقت الحالى حيث كبرت و نضجت و أصبحت إمرأة عاملة إنتهى عصر الطفولة و المراهقة , إنت الليالى الخالية و الأفراح البسيطة و أصبح الخميس روتينيا جدا فقد ماتت جدتى و لم يعد يعرض هذا البرنامج الساذج طلباتك إيه وعلى الرغم أن أغنيات كاظم بالكامل أستطيع رؤيتها كاملة الآن على اليوتيوب دون إنتظار كما كنت أفعل فى الماضى و دون أن أكون تحت رحمة " معد البرنامج" إلا أنها فقدت معناها وفرحتها وطعمها الآن حين كبرت و أصبحت أندهش من نفسى لماذا كانت تلك الأغانى تسعدنى فى الماضى كل هذه السعادة , أصبح الخميس لا يمثل لى سوى نوم  القيلولة والسهر أمام اللاب توب لا لكى أحدث أحد فمن كنت أحدثهم قديما إنشغلوا عنى و أصبحت  أوقاتهم تضيق علىّ لديهم من الواجبات والصدقات و العلاقات ما يكفيهم فلماذا يوفروا ساعة أو ساعتين لفتاة ساذجة تافهة لا تطمح فى شىء سوى فى الحديث معهم .الخميس أيضا أصبح موعدا للكتابة فحين أجلس فى البيت و أشعر بالطمأنينة و أبتعد عن توتر وضغط العمل يكون موعد الإلهام فعادة ما تكثر كتاباتى فى ليالى الخميس  لازلت أنتظره كما كنت فقط لأنه بداية للراحة الأسبوعية حيث الإستيقاظ متأخرا صباح الجمعة  وشرب كوبا من النسكافيه أصنعه بيدى و أتلذذ به وحدى , حيث أنعم بالحرمان من حرقة الدم و الجدل السفسطائى الذى ألقاه فى العمل كل يوم , والأحاديث السياسية العقيمة التى أسمعها من هذا وذاك , نعم الخميس لايزال حبيبى ولكن مظاهره  و مراسمه وطعمه وأجوائه إختلفت كليا وجزئيا عن الماضى القريب والبعيد ولكن حبه فى الفلب لا يختلف .... أيها الخميس ليتك تمكث معى كل الأسبوع.