لاحظت على نفسى إنى كلما إشتريت روايتين
أو كتابين أحدهما بالفصحى و الآخر
بالعامية و جدت نفسى " تلقائيا أهتم بقراءة الأول و أهمل الثانى حتى و إن
بدأت فى الثانى أجد الحماس يهرب منى و أضعه بين أرفف المكتبة بإهمال و أجد نفسى
سعيدة و ممتنة للرواية التى كتبت بالفصحى و بالطبع هذا عكس الموجة السائدة فى تلك
الأيام وهى الإقبال على الكتب الخفيفة الساخرة التى كتبت بالعامية و التى – حسب
قول كتابها – تصل أسرع و أسهل لقلوب طبقات مختلفة من الشعب ولكنى لا أجد نفسى أسبح
جيدا مع تلك الموجة , فأنا أحب اللغة الفصحى و أسعد كثيرا حين أتعلم كلمة عربية
جديدة أو أقرأ قصيدة أو أتغنى ببيت شعر درسته فى المدرسة وأحزن حين أبدأ فى كتابة
خاطرة و تأتى على ذهنى كلمة بالعربية الفصحى و لكنى لا أدرى كيف أكتبها أشعر بالخجل من نفسى , فأنا وصديقة دربى لازلنا نحفظ عن ظهر قلب بعض
من أبيات الشعر التى درسناها فى الثانوى و أعمال أدبية لا تنسى لأمير الشعراء شوقى
و إيليا أبو ماضى و نزار قبانى و مطران ولكنى مؤخرا وجدت أننا أصبحنا عملة نادرة
فى هذا العصر و كأننا هبطنا من كوكب آخر فالكثيرون الآن يتعجبون منا و يرون أن
الفصحى باتت معقدة لا يتحدث بها إلا قليلون و لا يفهما الأجيال الصاعدة و يتجنبوها
فى قرائتهم و فى تعاملهم , فعلى سبيل المثال منذ عام شاء حظى أن أحضر حفل توقيع
ديوان شعر " بالعامية"فى مكتبة الكتب خان بالمعادى لكاتبة صغيرة جدا تبلغ من العمر 16 عاما و لكن
للحق كانت موهوبة جريئة و جميلة أيضا و بالطبع إمتلأت المكتبة بزميلاتها و زملائها
ممن هم فى مثل عمرها و أكبر قليلا جاؤوا ليحتفلوا معها بهذا الحدث الجلل و كانت
هناك فقرة يوجه فيها القراء بعض الأسئلة لتلك الكاتبة الصغيرة فلاحظت حين سألوها
لماذا لم تكتبى بالفصحى ؟ أن همس أحد أصدقائها فى أذن الآخر قائلا بمنتهى السخرية
" لو كتبت بالفصحى محدش كان إشترى الكتاب ولا كنا فهمناه أصلا" قد تكون
جملة عابرة و لكنى شعرت بالغيظ الشديد لا أدرى هل لأنى دوما أكتب بالفصحى و شعرت
بالغيرة لأن وفقا لهذا الحكم فلا أحد سيشترى ما أكتب ( إذا حدث و نشرته) أم لإنى
شعرت بالغيرة على لغتنا الأم التى أصبحت فى مهب الريح و ينكرها أبنائها و يتنصلون
منها و كأنها وصمة عار أو شىء خيالى قديم من يتمسك بها أصبح كمن يصرّ على لبس
" الطربوش" بين مئات ممن يلبسون (( الأيس كاب)) و ليس هذا الموقف الوحيد
الذى تم حفره فى ذهنى بل أصبحت ألاحظ ظاهرة أسوأ من ذلك بكثير وهو إصرار الكثير من
الأمهات على تعليم أبنائهم اللغة الإنجليزية قبل العربية و يجبروهم على التحدث بها
أغلب الوقت و يعلموهم أولى كلامتهم بالإنجليزىية لا بالعربية حتى عندما يكبر الطفل
و يدخل المدرسة يصبح بليدا بمادة العربية و تصبح ثقيلة على قلبه و من أشهر الأمثلة
: زميلة لى فى العمل لديها طفل صغير يبلغ من العمر خمس سنوات لا تحدثه إلا
بالإنجليزية ولا هو يستطيع أن يعبر عن نفسه إلا بها وإذا وجدته يتحدث بالعربية
تنهره حتى كان فى يوم يلعب مع إبن زميلة أخرى ولا حظ أن الطفل الآخر يتحدث
بالعربية فجرى إلى والدته مندهشا وقال لها " هو ليه ياسين مش بيتكلم
إنجليش؟" ياللعجب فقد أصبح من يتحدث العربية هو المريب و من يتحدث الإنجليزية
هو الطبيعى !!!!! وهذا ليس عجيبا فمنذ يومين نادتنى زميلتى فى المكتب لأقرأ لها
إميلا بالعربية لا تفهمه فهى لا تفهم العربية كما أنا أفهمها و تتعجب منى بل و تشكرنى
لإنى أستطعت أن أفك طلاسم العربية التى تعترف أنها فى كثير من الأحيان لا تفهما
" على الرغم من كونها مصرية" وهناك صديقة أخرى تمنع إبنها من مشاهدة
قناة الأطفال "براعم" لأنها لاحظت أن الولد أصبح يطلق على بعض الأشياء
أسمائها باللغة العربية وهى تعتبر ان هذا
يدعو للسخرية , وهناك العديد والعديد من الأمثلة المحزنة فلماذا أصبحنا نتنكر من
جذورنا و نطعن فى هويتنا فجميل أن نتعلم لغات أخرى و نتقنها و نتحدث بها ولكن
المخيف اننا نزرع فى أبنائنا لغة أخرى وهم لم يتعلموا لغتهم الأم بعد خاصة و إن
كثير من علماء اللغة و التربية فى العالم يحثون الآباء و الأمهات على تعليم
أولادهم لغتهم الأم أولا قبل أى لغة , اود ان أقول للكثيرون لغتنا جميلة و ليست
عار وليست صعبة هل رأيتم أم يابنية فى العالم أو تركية أو ألمانية تعلم أبنائها
لغة أخرى قبل أن ينطقون بلغتهم الأصلية ؟!!! بل إن بعض الشعوب يعتبرون لغتهم مفخرة
وحتى و إن تعلموا لغات أخرى لا يرضون أن يتحدثوا إلا بلغتهم الأصلية فعلينا أن
ننتبه إلى أن إهمالنا للغة الفصحى سيجعلها
تتقلص وتندثر علينا أن نفخر بها ولا نشوهها علينا أن نعلمها لأولادنا قبل أى لغة
أخرى ولا تنسوا أنها لغة أرقى كتاب فى الكون وهو القرآن الكريم وهنا يحضرنى بعض من
أبيات الشعر التى كتبتها عن هذا الموضوع منذ سنوات بعنوان " العربية
المنسية" حين قالت العربية يوما :
أحزن كثيرا و أنا أراهم ينسونى
ومن صفحاتهم و ألسنتهم يطردونى
وبتلك المصطلحات الغريبة يشوهونى
وبالحروف و الأرقام و الألوان غيرونى
أنا من شرفنى الرحمن
وأنزل بى القرآن
وراح ينسانى الإنسان
أحزن كثيرا و أنا أراهم ينسونى
ومن صفحاتهم و ألسنتهم يطردونى
وبتلك المصطلحات الغريبة يشوهونى
وبالحروف و الأرقام و الألوان غيرونى
أنا من شرفنى الرحمن
وأنزل بى القرآن
وراح ينسانى الإنسان
