أليس غريبا أن تضمهما غرفة صغيرة لا تتعدي مساحتها خمسة أمتار وتفصلهما فكريا بحارا ومحيطات ؟ أليس غريبا أن تحملان لبعضهما مشاعر متناقضة من الشفقة والغضب والإحتياج .... كلا منهما تشفق على الأخرى وتغضب منها ... هى تشفق على والدتها من وحدتها من امراض الشيخوخة والبرواز العتيق الذى تسجن نفسها به ..برواز الماضى و ذكرياته وآلامه وذلك المنظور الضيق الذى ترى الدنيا من خلاله باللونين الاسود والابيض وتجهل بل وتقاوم معرفة باقى الالوان المبهجة البراقة للدنيا بدعوى الخوف... ووالدتها تشفق عليها بل وتمنعها بكل ما استطاعت من قوة من الخوض فى اي ارتباط او الدخول فى اي شىء يجعلها تكسر ذلك الروتين الذي يربطهما ببعضهما حتى لو لم تصرح بذلك جليا ولكن كل أفعالها تشير إلى تلك الحقيقة التى تنكرها إذا واجها أحدهم بها وتنفى تلك التهمة عنها ...
تؤمن و- لكنها لاتريد ان تصرح بوضوح - ان إبنتها من مصلحتها ان تكون فى كنفها فهي عكازها حين تخونها قدميها ويتمكن منهما الوهن. وترى انها مادامت تأكل وتشرب وتذهب وتجىء وتعمل فهي بخير ولا ينقصها شىء فماذا جنت الأخريات من اي ارتباط او قصة حب سوى الندم والفشل والشكاوي ..فالأمن كل الأمن ان تظل هكذا بريئة وحيدة ...ولكن امها تجهل الجانب الآخر من الحياة ... تجهل ان هناك كثير من الاموات يسيرون تلك الايام بأجساد حية ولكن أرواحهم زهقت منذ زمن حين سجنت فى ذلك البرواز العتيق الذى تحسبه كنف وحماية ولكنه قاتل للأمل وللحرية وللحياة.... تجهل أن هناك نوبات من غضب شديد تحاول إبنتها كبحها بكل ما أوتيت من صبر وقدرة تحمل حتى لا تنفجر أمامها ... نعم تخونها قدرتها أحيانا ويفلت الغضب من زمامها وتخرج من بين شفتيها كلامات لاذعة ناقدة للوضع ولكن سرعان ما تسحبها وتعود وديعة من جديد بعد ان يلعب الضمير دور حمامة السلام بعد وصلة توبيخ داخلى لها وتهديد بأن من تغضبها اليوم قد تستيقظ نهارا ولا تسمع أنفاسها فبأي حديث بعد تلك اللحظة يجدي...
ولكن المشكلة فى كل يوم تكمن فى المساء حين يجنح بظلامه على تلك الغرفة الصغيرة وتأوى أجسادهما بعد ان تنتهى المشادات و الصراعات التى باتت محفوظة عن ظهر قلب والتى تنتهى بإبداء الندم وتقبيل القدم حتى ترضى صاحبة البرواز وحتى تتأكد ان صغيرتها دخلت معها فيه ولم تخرج بعد ... يكمن العذاب حين تستمع كلا منهما لأنفاس الأخرى ... الصغيرة تستمع لتأوهات والدتها حين تحتد آلام المفاصل عليها فتجد نفسها لسانها قد تصمغ و تظاهرت بالنوم لكى تنهي اليوم سريعا تجد انها لا تخرج كلمات المواساة التى من لمفترض ان تقولها فى تلك اللحظات فهى الأخرى تقاوم تأوهات فكرية تعلو أصدائها فى عقلها تمنعها من النوم وتزيد من حدة الغضب والعتاب داخلها إلى ذلك الجسد الكبير المرهق الساكن جانبها ... تقاوم تأوهتها الفكرية بالصمت والتقلب على الفراش مرات ومرات فعدم المقاومة يعنى امرا واحدا انها ستسيقظ من جديد لتخرج جمرات من الغضب إذا خرجت ستحرق كلا منهما إذا لم يتدخل الضمير و تمر ساعات الليل طويلة فالأولى تنتظر كلمة حنان من الصغرى والصغرى تنتظر اللليل لينتهى والعين لتنام واللسان ليستمر فى صمته حتى لا يجرح المنتظرة..بقلمي ...
