ران الصمت الطويل الممل ولم يقطعه سوى
صوت نقرات أصابعه على أزرار الحاسوب الذى
راح يعمل عليه وهو منهمك و يأخذ من حين
لآخر رشفة من فنجان قهوته الخامس لهذا اليوم , والذى وضعته زوجته و هى تتنهد بحرقة
و ذهبت لتجلس وحدها فى غرفة المعيشة لتشاهد فيلما أبيض و أسود رأته للمرة السابعة
بعد المائة فى حياتها , جلست على مضض , كانت تنظر للتلفاز ولكن ذهنها و قلبها
مشغولون بأمر آخر , فاليوم هو الخميس و من المفترض أن يجلس معها زوجها ليشاهدوا
الفيلم سويا أو يتجاذبوا أطراف الحديث , فهى لا يتسنى لها التحدث معه لفترة طويلة
طيلة الأسبوع بسبب إنشغاله المستمر فى العمل , وهى تنتظر مجىء ليلة الخميس والجمعة
كما ينتظر الأطفال هلال العيد , ولكن خابت آمالها بسبب هذا الحاسوب اللعين , فقد
عاد من عمله و تناول وجبة الغداء فى عجل , و أخبرها أن لديه الكثير من العمل و
سيسهر الليلة على الحاسوب لينهيه , كم ودت أن تقوم و تكسر هذا الجهاز الصغير الذى
أصبح يلتهم أغلب أوقات زوجها و يأخذه منها و كأنه زوجته الثانية , حتى إبنتها التى
تبلغ من العمر أربعة عشر عاما تجلس بالحاسوب الصغير الذى إشتراه لها والدها فى عيد
ميلادها الأخير و أصبحت تقضى عليه أغلب وقتها فى محادثة أصدقائها وتتركها أيضا
وحدها , كم ودت أن تأتى لها إبنتها وتحدثها عن ماتفعل طوال اليوم و عن
أصدقائها وعن دروسها و لكنها أصبحت تفضل
الصمت كلغة و توفر الكلمات لصديقاتها عبر الإنترنت أم والدتها فهى ( دقة قديمة لا
تفهم هذا الكلام) تنهدت بحرقة مرة أخرى و
لعنت التكنولوجيا التى تجعل من أفراد الأسرة الواحدة مجرد أفراد غرباء متفرقين
يجلس كل منهم فى عالم آخر , ينامون تحت سقف واحد ولكن كل منهم له عالمه و كأنه
ينفصل عن الآخر بمحيطات و بحار , كأنهم فى قطار لا يتبادلون سوى تحيات الصباح و
المساء ولا يعلم كل منهم ما يجول فى عقل وقلب الآخر من هموم , و تقوم أصابعهم
بداعبة أزرار هذا الجهاز بدلا من تقبيل يد تلك الأم التى تشقى و تتعب طوال اليوم
.... وفجأة إنقطع تيار الكهرباء و ساد الظلام الأرجاء , فشعرت بالخوف و نادتها
إبنتها من الغرفة الأخرى " ماما إنت فين تعاليلى أنا مش شايفة حاجة" قام
الأب و أشعل شمعة و أخذ إبنته وراحوا يجلسون مع الأم فى غرفة المعيشة , وضعت الفتاة
رأسها فى صدر أمها , فراحت الأخيرة تمسح على شعرها و تقول لها " لا تخافى
سيأتى الضوء الأن " جلس الزوج بجانب زوجته ووضع ذراعه وراء رأسها وقال "
اللعنة ... لدى الكثير من العمل ماذا سأفعل الآن بعد ذهاب التيار" كان يشعر
بالضيق و لكن زوجته كانت فى قمة السعادة فقد أتى ليجلس معها على ضوء الشمعة فهذا قمة الرومانسبية فى رأيها و جلست إبنتها فى أحضانها وهذا أصبح لا يحدث
إلا نادرا فشكرا للظلام الذى جعلهم يأتون إلىّ ليته يسود أخذت تترد هذا الدعاء فى
سرها حتى لا يسمعها زوجها و إبنتها الغاضبون من حرمانهم من الحاسوب للحظات. وفجأة
عاد الضوء فسحب الزوج ذراعه من وراء زوجته و نهضت الإبنة وعاد كل منهم إلى مكانه
تاركين الأم وحدها فى غرفة المعيشة وحينها سقطت دمعه على كفها ومسحتها سريعا وقالت
لتراضى نفسها " لا بأس سأنتظر إنقطاع الكهرباء مرة أخرى ...... أرجوك أيها
الظلام لا تتأخر علىّ"
