الخميس، 20 فبراير 2014

تـأملات شاطئية






في الصباح الباكر رأته هذا الملك الجميل ذو الرداء الأزرق الفضفاض يتناثر بين جنباته حبيبات ذهبية تتراقص فى إيقاع منتظم ، حبيبات تقدمها الشمس له كقرابين لتقترب منه أكثر و تغازله قبيل استيقاظ الناس و خروجهم من كهوفهم ، هؤلاء من قطعوا المسافات وأتوا من كل حدب وصوب هروبا من ضوضاء المدينة وتوتر العمل وضجيح الأحاديث السياسية العقيمة ، هروبا من اسئلة يطرحها العقل ولا نجد لها اجابات شافية هروبا من الشك الذي ينخر فى عقولنا ، هروبا من سؤال ماذا بعد ؟ هروبا من كل شىء واى شىء ، فقط يريدون ان تسترخى عضلاتهم وتشعر بالدفء جلودهم و تطبع الشمس قبلة سمراء على جباههم  ، يريدون ان تصفو أذهانهم التي تكدست بخليط من المخاوف والقلق والتوتر ، خرجت من كهفها ورأت الشمس والبحر فى مشهد حميمى لم يخجلوا منها بل واصلوا ، ليس فى علاقتهم ما يدعو للخجل ، إنهما مصدرا راحة وسعادة للبشر يشكلان لوحة فنية رسمها الخالق ، خرجت هى و ترجلت ، الشاطىء فارغ .... لا بل هناك كهل يتمشى ببطء على تلك الرمال ، مطأطىء الرأس ، يفكر في أمر ما ، ملامحه يسكنها الحزن ، شعره كقطع القطن البيضاء خالية من سواد الشباب ، يتأبط وحدته ، ترى ما سر حزنه ؟ ربما يكون قد تقاعد عن العمل وجاء هنا ليسترخى ، ربما رحل أولاده عنه ، نادتهم مشاغلهم بصوتها الصاخب فنسوه و نسوا أمر وحدته . هو يتمشى فى أسى ولا يظن أن أحدا يراه الآن أو يهتم ل؟أمره أو يكتب عنه مثلها ....
الشاطىء خال الا من هذا الكهل ، وجهت نظرها للسماء فرأته ذلك الطائر الأبيض الجميل يرفرف بجناحيه بزهو ، ربما استيقظ للتو ، إنتفض من عشه الكائن على أحد أغصان تلك الشجرة العالية وطار ليبحث عن قوته في هذا النهار الهادىء ، الطائر يرفرف عاليا فوق إحدى الصخور العالية المطلة على البحر فى استعراض بديع ليحتل مكانه فى تلك الوحة الصباحية ، هذا الطائر ، هل أخبره أحد انه بهذا القدر من البهاء ؟ هل يظن ان احدا يراقبه ويهتم لأمره و يكتب عنه فى تلك اللحظة مثلها أم أنه فقط منشغل بالبحث عن ما يسد جوع جسده الضعيف ؟
الشاطىء خال الا من الكهل و الطائر ........ لحظات ورأتها فتاة في بداية العشرينات  تجلس على المقعد الخشبى المتهالك المقابل للبحر ، تمسك برواية وتقرأ فى تركيز شديد ، تبتسم للصفحات ، يبدو ان الاحداث فى تلك الرواية قد راقت لها ، ربما بطل الاحداث قد ذكرها بحبيها ، لقد اغلقت الرواية وسرحت بعيدا ، ماتت الابتسامة على شفتيها و تنهدت بعمق ربما تذكرته ذلك الذى خذلها قديما وحاولت نسيانه وجاءت تلك الرواية لتنبش فى ذاكرتها من جديد ، هل تظن تلك الفتاة ان هناك من يراقبها ويتأملها بل و يكتب عنها ، الكل على ذلك الشاطىء منهمك فى التفكير ، الكل يظن انه وحيد ، ولكنها وحدها من فكرت فى الكهل والطائر و الفتاة العشرينية ، كتبت عنهم وتأملتهم لكن السؤال هنا هل من أحد على ذلك الشاطىء يفكر فيها هى ، هل لفتت انتباه احدهم وهى غارقة هى الاخرى فى وحدتها على الاغلب " لا" راحت تتلفت خلفها ، ربما هناك عيونا ترقبها ربما هناك من يكتب عنها وهى لا تدرى ولكنها لم تجد أعيتها المحاولة وفجأة شعرت ببرودة وبلل فى قدميها ، انه الملك الازرق ذو البهاء راح يداعب قدميها فى حركة غير متوقعة له ، إنه " المد" فقط يهمس لها البحر بانه هو من يفكر فيها ولكن بطريقته ....ان كان البشر قد انشغلوا عنها فهو لم ولن ينشغل ........... ابتسمت له وتركت قدميها تغوص فى اعماقه ..بقلمى 18-2-2014