
حين
أحكمت المشكلات حلقتها عليها ...وأنهكتها الظروف المعقدة التى ما تفتأ أن تحل عقدة
منها حتى تجد الأعقد فى إنتظارها ... حين أدركت أن محبة الآخرين ليست دائمة وأن
الأقرب إلى قلبها على الإطلاق يتغير عليها بل ويمعن فى القسوة ... حين خبرت أن
المستحيلات قد تتحقق يوما وأن ما كان عقلها لا يصدق ان يحدث هو أول ما يحدث هذه
الأيام .. فلكم أقسمت ان هناك من لن يتغير معها مهما حدث وهاهو يتغير بل ويلبس
أقنعة لا تعرفها ... حين أصبحت الدنيا بالنسبة لها سباق سريع ومنهك تعدو فيه بلا
نهاية و يسقط منها من يسقط ولا تستطيع ان تعيده من جديد ... بدأ التغيير الفعلى ا
يتسلل لها دون إرادة ولكنها سعيدة به ولا تريده أن يرحل ... بدأت تحب أشياءا لم
تكن تعرف عنها شيئا بدأت تقدم على أفعال لم تكن تتخيل ان تمتلك الجرأة لفعلها ...
أصبحت تجد الكلام ثقيلا مع البشر ... تنهكها الحروف و ينهكها فهم الآخرين الخاطىء
لها فوجدت الحل الأمثل فى الصمت والمراقبة ..فى تلك الليلة حضرت حفلتهم جاءت بعد
تردد طويل فى أن تحضر أو لا جاءت وهى تشعر انها تحمل هموما ثقيلة فوق ظهرها ..هموما تنهك جسدها اولا ثم روحها
ثانيا ولكنها بعد إلحاح من صديقاتها حضرت ..إرتدت زيها الأزرق الجديد وضعت زينة و
لونت وجهها بإبتسامتها و تعمدت أن تطلب
إلتقاط الصور لها كعادتها حتى تعود بدليل يطمئنها انها كانت سعيدة فى هذا اليوم
... صفة جديدة إكتسبتها وهي تخزين الصور التى تظهر فيها تحمل إبتسامات عريضة تعلم
يقينا انها كاذبة ولكن رؤيتها لتلك الصور تكسبها شيئا من الرضا والسعادة وكأنها
دليل دامغ على أنها حصلت على قسطها هى الأخرى من الفرح وأنها لم تظلم كما يحب
خيالها ان يصور لها ... جلست فى ذلك المسرح العتيق وبعد غلق الأضواء وسكوت الضجيج
ظهروا وبدأوا ... كانوا قلة خمسة على ما تتذكر ... لطالما تمنت ان تراهم فى
الحقيقة وهاهى تحقق حلما كان بالنسبة لها مستحيلا ... أبهرتها لغتهم الفصيحة وهدوء
نفوسهم وبياض ثيابهم ... تعجبت من ذلك الرجل المتقدم فى العمر عازف القانون من
معلوماته الغزيرة و لغته المنمقة وعباراته التى كان يطعمها بحرفية للمستمعين بين
كل أغنية وأخرى . أعجبها من كان يغنى .. الذى على الرغم من مرضه الشديد و تصبب
عرقه إلا أنه راح يشدو بصوت شبهته كصوت خرير المياه فى الجدول الصافى ... نقى نقاء
غريب ... كانت تسرح معهم وفى نفس الوقت تراقب هاتفها الذى باتت تشعر أنه يستعبدها
وأنها ذليلة له تظل مطأطئة الرأس له فى إنتظار مكالمة من أحدهم تزعجها وتعكر صفو
نفسها ...شكرت الحظ الذى جعل باقة النت لديها تنتهى حتى تستطيع ان تركز أكثر مع
تلك الفرقة التى سافرت معها بعيدا فى بلاد لم تزرها من قبل .. بلاد لا تزال تقدر
التراث و تحي التاريخ وتقدر اللغة ... تعجبت من كلمات أغانيهم والتى إعترفت انها
لم تفهم كثير من كلماتهم ولكنها تمزجت بها ..جاءتها خاطرة غريبة فى تلك الليلة وهى
تستمع إلى كلماتهم التى تصب أغلبها فى فكرة حب الإلاه و العشق الغير مشروط ..
وهيام الروح فى عشق الله وطاعته تساءلت وقالت لم لا ؟ لم لا يكون محبوبها هو الله
؟ فهو الوحيد الذى لن يتغير معها مثل ما تغيروا ولن يتركها وهي فى اشد الحاجة إليه
.. ولن يذلها فى الإنتظار مثل ما يتفننوا فى فعل ذلك .. بل على العكس إن أمعنت فى
محبته وشغلت نفسها به ستصبح غنية عنهم ... متعة رائعة ولكنها تعلم انها ليست مهيأة
لها الآن فالكثير يجذبها إلى عالمها السفلي ... حواجز نفسية و تقصير شديد وضعف وبعض
الشكوك تعلم انهم متربصين وفى إنتظارها إن أرادت أن تسلك طريق الصوفية والتجرد كل
هذا جال فى خاطرها وهي تشاهدهم بل وراحت تتمنى أن تذهب إلى تلك الفرقة فى الكواليس
وتطلب منهم السفر معها إلى تلك البلاد البعيدة حتى تنتهج نهجهم وتبعتد هنا عن كل
ما يدمى الروح تريد ان تذهب إلى ربى خضراء و قناديل ومياه صافية و تعبد حقيقى
وتجرد ... تريد ان تتوضأ من كل ما يؤلمها تريد أن تحيا به وله فلكم أرهقتها
مخلوقاته ... أفاقت من أفكارها على صوت الهاتف – سيدها الذى يذلها – فتدلت رقبتها
ولمحت رقم أحدهم وخرجت لترد على تلك المكالمة العاجلة الكئيبة التى منعتها عن
تكملتها تلك الحفل رحلت ولم تودعم ولم تصفق لهم التصفيق الذى يستحقوه رحلت ولم
تستمع إلى أغنيها المفضلة التى تمنت ان تسمعها منهم وشاء القدر أن ينشدوها عقب
رحيلها مباشرة " أحبك حبين حب الهوى وحبا لإنك أنت الإلاه" بقلمي