حين وقعت عيناي على عبارة كتبتها الراحلة رضوي عاشور تقول فيها " أكتب لأرتاح وكأن الكتابة تبدد الكوابيس " ، وجدتني بلا أدنى تردد امسك بدفتري الوردي الذي اصبحت لا ألمسه إلا نادرا جدا واكتب ..منذ فترة طويلة وانا منقطعة عن الكتابة ، احن لها كثيرا ولكني امتنع عن مصافحتها لعلمي بعجزي عن إعطائها ما تحتاجه من شغف وتركيز ، وأني يأتيان من انسانة معطلة ذهنيا ونفسيا ؟!! اتحسر على عدم مقدرتي على مجالستها طويلا و أتعجب من عجزي عن فهم ذاتي ، أحيانا اود لو اتوجه للخالق واطلب منه لو يعطينى كتالوجا يساعدنى على فك طلاسم ذاتي التى لا افقهها وعجزت عن التعامل معها بشكل صحيح ...
منذ يومين وجدتنى ارتدي ملابسي متجاهلة عبارات الكسل الهامسة داخل اذني بان اتراجع واقبع فى فراشي تحت اغطيتي الدافئة وغطاء قدماي الصوفي الاخضر الذي يحتضن اصابعي فى حنان ويسري الحرارة فى برودتها ، تجاهلت كل تلك الإغراءات وعزمت النزول حيث الجلوس فى الركن الهاديء الذي يبعد عن منزلى بمساحة شارعين وهو فى مكتبة الكتب خان ، احتللت مقعدي المعتاد وطلبت بكل ثقة كوب الشوكولاتة الساخن واخرجت من حقيبتى روايتين ، الاولى كنت اوشكت على الانتهاء منها والثانية لم اكن حتى فتحت غلافها البلاستيكي الجديد ، أنهيت الاولى وبدات في الثانية وتناولت اخر قطرات الشوكولاتة اللذيذه ، شعور غريب بالطمأنينة والتركيز يسري بداخلي في تلك المكتبة ، استطيع ان اوجه حواسي كلها للكتاب دون ان تسقط عيني على شاشة الموبايل او تنزعج اذني بدقات الهاتف السخيفة التى تعلن عن تحديثات جديدة على مواقع التواصل ، احسد اولائك الذين يستطيعون ان يسكنوا في اماكنهم لفترات طويلة سواء للانتهاء من كتاب او لوحه او حتى للتامل ، فانا للاسف صبري قليل وعمر انتظاري قصير ، فما لبثت ان انتفضت وخرجت مجددا من الكتبة ولم يمر على جلوسي سوى نصف ساعة او اقل ، وجدتنى لدي رغبة جارفة فى السير فى الشوارع المحيطة على غير هدي او وجهة محددة ، اريد فقط ان اضع سماعات الهاتف فى اذني واسمع الموسيقى ، نغامتها تعانق خلايا عقلي الذي بدأت اشعر بها تتحرك وتتنفس مع دخول نسمات الهواء الباردة ، شعرت بمتعة بالغة حين رحت اسير على حواف الحدائق الفاصلة بين الشارع حيث اتجاه السيارات وبين النجيلة الخضراء ، واحاول جاهدة المحافظة على توازن جسدي حتى لا اسقط فى احدي المنطقتين كطفلة هاربة من يوم دراسي طويل ، وجدت نفسي اشعر بكل الرضا والسعادة وانا بصحبة نفسي ونفسي فقط ، لا اريد العودة للبيت ومابه من إغراءات الكسل والدفء ولا اريد العودة للمكتبة وما بها من كتب وموسيقى وتركيز كنت قد نزلت خصيصا من اجلهم لم يقطع خلوتي المحببة سوي صوت الهاتف المزعج يقطع بدقاته الموسيقى ليعلن عن مكالمة صديقتى المقربة تخبرني ان احدي المحلات المشهورة به تخفيضات وان اسرع بشراء ما يلزمنى من ملابس جديدة شعرت بغيظ شديد وانهيت المكالمة باقتضاب وودت لو قلت لها ان روحي كانت تهيم فى دنيا واسعة بعيدة عن ماديات هذا الكون واعبائه الثقيلة واننىى ما عادت تعنينى خطوط الموضة والتخفيضات ووقفة المحلات الخانقة كل ما اريد ان اختلى بذاتى لعلى افهمها او اعتذر لها عن ثقل الواقع البغيض ..بقلمي 16-1-2016