السبت، 14 أبريل 2012

شكرا للظلام




ران الصمت الطويل الممل ولم يقطعه سوى صوت نقرات أصابعه  على أزرار الحاسوب الذى راح يعمل عليه وهو منهمك و يأخذ  من حين لآخر رشفة من فنجان قهوته الخامس لهذا اليوم , والذى وضعته زوجته و هى تتنهد بحرقة و ذهبت لتجلس وحدها فى غرفة المعيشة لتشاهد فيلما أبيض و أسود رأته للمرة السابعة بعد المائة فى حياتها , جلست على مضض , كانت تنظر للتلفاز ولكن ذهنها و قلبها مشغولون بأمر آخر , فاليوم هو الخميس و من المفترض أن يجلس معها زوجها ليشاهدوا الفيلم سويا أو يتجاذبوا أطراف الحديث , فهى لا يتسنى لها التحدث معه لفترة طويلة طيلة الأسبوع بسبب إنشغاله المستمر فى العمل , وهى تنتظر مجىء ليلة الخميس والجمعة كما ينتظر الأطفال هلال العيد , ولكن خابت آمالها بسبب هذا الحاسوب اللعين , فقد عاد من عمله و تناول وجبة الغداء فى عجل , و أخبرها أن لديه الكثير من العمل و سيسهر الليلة على الحاسوب لينهيه , كم ودت أن تقوم و تكسر هذا الجهاز الصغير الذى أصبح يلتهم أغلب أوقات زوجها و يأخذه منها و كأنه زوجته الثانية , حتى إبنتها التى تبلغ من العمر أربعة عشر عاما تجلس بالحاسوب الصغير الذى إشتراه لها والدها فى عيد ميلادها الأخير و أصبحت تقضى عليه أغلب وقتها فى محادثة أصدقائها وتتركها أيضا وحدها , كم ودت أن تأتى لها إبنتها وتحدثها عن ماتفعل طوال اليوم و عن أصدقائها  وعن دروسها و لكنها أصبحت تفضل الصمت كلغة و توفر الكلمات لصديقاتها عبر الإنترنت أم والدتها فهى ( دقة قديمة لا تفهم هذا الكلام)  تنهدت بحرقة مرة أخرى و لعنت التكنولوجيا التى تجعل من أفراد الأسرة الواحدة مجرد أفراد غرباء متفرقين يجلس كل منهم فى عالم آخر , ينامون تحت سقف واحد ولكن كل منهم له عالمه و كأنه ينفصل عن الآخر بمحيطات و بحار , كأنهم فى قطار لا يتبادلون سوى تحيات الصباح و المساء ولا يعلم كل منهم ما يجول فى عقل وقلب الآخر من هموم , و تقوم أصابعهم بداعبة أزرار هذا الجهاز بدلا من تقبيل يد تلك الأم التى تشقى و تتعب طوال اليوم .... وفجأة إنقطع تيار الكهرباء و ساد الظلام الأرجاء , فشعرت بالخوف و نادتها إبنتها من الغرفة الأخرى " ماما إنت فين تعاليلى أنا مش شايفة حاجة" قام الأب و أشعل شمعة و أخذ إبنته وراحوا يجلسون مع الأم فى غرفة المعيشة , وضعت الفتاة رأسها فى صدر أمها , فراحت الأخيرة تمسح على شعرها و تقول لها " لا تخافى سيأتى الضوء الأن " جلس الزوج بجانب زوجته ووضع ذراعه وراء رأسها وقال " اللعنة ... لدى الكثير من العمل ماذا سأفعل الآن بعد ذهاب التيار" كان يشعر بالضيق و لكن زوجته كانت فى قمة السعادة فقد أتى ليجلس معها على ضوء الشمعة  فهذا قمة الرومانسبية فى رأيها  و جلست إبنتها فى أحضانها وهذا أصبح لا يحدث إلا نادرا فشكرا للظلام الذى جعلهم يأتون إلىّ ليته يسود أخذت تترد هذا الدعاء فى سرها حتى لا يسمعها زوجها و إبنتها الغاضبون من حرمانهم من الحاسوب للحظات. وفجأة عاد الضوء فسحب الزوج ذراعه من وراء زوجته و نهضت الإبنة وعاد كل منهم إلى مكانه تاركين الأم وحدها فى غرفة المعيشة وحينها سقطت دمعه على كفها ومسحتها سريعا وقالت لتراضى نفسها " لا بأس سأنتظر إنقطاع الكهرباء مرة أخرى ...... أرجوك أيها الظلام لا تتأخر علىّ"  

هناك تعليق واحد: