فى
ليلة قاتمة غاب فيها القمر جائت تمشى بخطى متهالكة , قدميها بالكاد تحملها , تتشح
بالسواد وتلتفت من حين لآخر خشية أن يكون أحدهم متتبعها بسلاح أو بطلقة طائشة مشت
ومشت حتى وصلت إلى باب عتيق كبير خلفه قبة ومسجد فطرقته بيديها المرتعشة , بعد
دقائق فتحت لها أختها , سيدة عجوز , إحتضنتها بلهفة وحسرة فأخذت تجهش بالبكاء وتدفن وجهها بين كتفيها , إحتضنتهم جدران البيت وأعطت الكبرى الصغرى فنجانا من القهوة العربية
لعلها تهدىْ من روعها وبدأت تسألها : ماذا دهاك يا أختى ؟ كيف وصل بك الحال إلى
هنا ؟ أين جمالك وسحرك ؟ أين ياسمينك وعطرك ؟ ومن أسال الدماء فى وجهك ؟ أجابتها
بحسرة : لا أعرف شيئا , سوى أن بعضا من أبنائى أرادوا يوما مايسمى بالحرية وليتهم
ما أرادوا , شوهت يا أختى , تقاتلوا أبنائى و إنقسم جيشى الذى كان يحرسنى وماعدت
أعرف من المتآمر ومن المخلص , من أحببنى ومن شوهنى , مساجدى دنست , وأوراقى تقطعت
وأطفالى تشردت وقفت حائرة عاجزة , وأصبحت للعدو لقمة سائغة , عدوى الذى رأى أبنائى
بحماقتهم يشوهونى , قرر أخيرا أن يأتى ليطعنى الطعنة الأخيرة , استغثت كثيرا لعل
أحد يسمعنى , قلت أغيثوا أمكم بلاد الشام الجميلة , بلاد الفن والجمال بلاد نزار
والياسمين الدمشقى , بلاد الحارات القديمة والمسجد الأموى لا تتركونى وحيدة شريدة
لا تتركونى أتحول مثل أختى العراق ............ أجابتها فلسطين بنبرة اكتست بالحسرة
: على من تنادين يا سوريا , ألم تخبرك الأيام بعد أن أخواتك العرب قد أصابهم الصمم
منذ عشرات السنين حين كان عمرى 48 ناديت مثلك ولم يجبينى أحد حين إستعمر العدو
قلبى و زرع جنوده على ذراعى وأخذ القدس قرة عينى , مصيبتى كانت مثل مصيبتك ولكنى
أحسب مصيبتك أكبر وأشد فأنت كنت تعيشين حياة سعيدة هانئة ولكن حكامك وأبنائك
تقاتلوا عليك وجعلوكى وجبة جاهزة للعدو ليمضغها بكل برود , أما أنا فأبنائى و
حكامى كانوا لاحول لهم ولا قوة , أنا عدوى خارجى وأنت عدوك نبع من داخلك تعددت
أسبابنا والموت واحد , نظرت سوريا بعينين دامعتين : ومالحل يا أختى لقد طال وجعى
وحزنى , لقد طال ليلى وقهرى , إلى متى هذا الدمار , ألن يكتب لنا النجاة والفرار
من كل هذا الخراب , مسكت فلسطين بييدها قائلة أنظرى إلى تلك القهوة الداكنة مهما
إشتد سوادها فى الفنجان لابد وأن يظهر بياضه فى النهاية ومهما طال الليل التى جئت
تتخفى به لابد أن تزقزق طيور الفجر ومهما نزفت من دماء ومات لك من أبناء لابد أن
يكون من بينهم المخلص المحرر البار لوالدته سنتحرر يوما حتما سيأتى هذا اليوم
سنتخلص من كل تلك العذابات , فسألتها سوريا ومتى هذا اليوم ؟ أجابتها فلسطين
" حين يشفى أخواتك من الصمم يا أختى ... بقلم ياسمين أحمد رأفت 7-5-2013

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق