.مشوار ثقيل على القلب لكن لابد منه ، ذهبنا إلى " العتبة " لتسديد بعض الأقساط الواجبة ، وفى الطريق هناك أخذت عينى تمشط الشوارع ، باعة اتخذوا من الأرصفة مقرا لطاولاتهم المكدسة بالبضائع المختلفة ، " على كل لون يا بطيسطة " ، ملابس وستائر وأقمشة و ترمس وإكسسوارات ، رجال عواجيز جلودها تجعدت من الشيخوخة ، يجرون أجسادهم جرا ، سيدات ترتدى عباءات سوداء مزخرفة يضحكن رغم الأسى ، سيدة حامل تقف ببطنها البارزة ، تتعلق بركبتيها طفلتها إبنة العامين فى محاولة منها لكى تحملها أمها ، فترفض الأم التى لا تحتمل أحمال أخرى ، تجلس سيدة على الرصيف بإبنها الرضيع فى حديث مطول مع زبون يحاول أن يفاصل معها فى قطعة قماش ، الجو حار وخانق ، وشارع ضيق جدا يحوي آلاف الأجساد والبضائع وخلف كل جسد قصص طويلة مع الفقر ، أخيرا وصلنا إلى المبنى المطلوب ، دق قلبى بشدة حين رأيت منادى السيارات الذى وقف بأسنانه البارزة شديدة الصفار يصرخ بنا ألا نركن هنا أمام بضاعته ، إنصعنا إلى أوامره ، دخلنا المبنى ودعنى أوضح أن المبنى تابع لوزارة الأوقاف ، مظهر العمارة لا تدل أبدا على أن بداخلها مقر تابع لتلك الوزارة ، فى الداخل المبنى عتيق جدا يوجد به ثلاث مصاعد واحد منهم معطل من العام الماضى حين جئت لأدفع القسط الأول كان معطلا أيضا ، صعدنا فى الثانى ودخلنا الغرفة المطلوبة ، التى يقع بداخلها عدة مكاتب صغيرة متلاصقة ، بعض المكاتب عليها مفارش تشبه مفارش المطبخ التى نضعها قبل الطعام ، مفارش مزخرفة بالزهور الحمراء ، الموظفين حالتهم عدم ، ملفات ورقية وكارتونية مكدسة أمامهم ، لا يوجد بين كل تلك المكاتب جهاز كمبيوتر ، سوى واحد فقط لا يجلس عليه أحد ، الورق مكدس وملقى بإهمال ، موظفات سمينات يبذلن جهدا مضاعفا حتى يقمن من أماكنهن ،بعض الموظفين يجلسون بين مكتبين ، لأن ليس الجميع لديهم مكاتب ، ينكبون على الأوراق و ظهورهم محنية ، ابتسمت ساخرة حين تذكرت ان بعض الشركات الخاصة " بتاعة المرفهين " ، تقوم بشراء مقاعد صحية مخصوصة لموظفيها حتى لا يؤلمهم ظهورهم فمابال هؤلاء !!!!! أكواب شاى ثقيلة سوداء هى كل متعتهم فى الحياة ، وللحق كل من كان فى الغرفة كان يعمل بجد واجتهاد عكس الفكرة الشائعة ان الموظفين الحكوميين جميعهم كسالى ، لن أنسى نظرة عين أحدهم حين رأى منظر الأموال المرصوصة على المكتب والتىى قام بوضعها أحد الزبائن ، عليه أن يعد آلاف مؤلفة بينما جيوبه لا تحوى سوى بضع جنيهات لشراء ساندويش فلافل يمسكه بلهفة كأنه يمسك الكنز الضائع ..هؤلاء الأشقياء لم تصب وجوههم الكادحة رياح التغيير لاقبل ولا بعد الثورة ...ومع ذلك الرضا والابتسام على وجوههم ، رضا يجعلك تخجل من نفسك ...بقلمى
الثلاثاء، 15 أبريل 2014
العتبة
.مشوار ثقيل على القلب لكن لابد منه ، ذهبنا إلى " العتبة " لتسديد بعض الأقساط الواجبة ، وفى الطريق هناك أخذت عينى تمشط الشوارع ، باعة اتخذوا من الأرصفة مقرا لطاولاتهم المكدسة بالبضائع المختلفة ، " على كل لون يا بطيسطة " ، ملابس وستائر وأقمشة و ترمس وإكسسوارات ، رجال عواجيز جلودها تجعدت من الشيخوخة ، يجرون أجسادهم جرا ، سيدات ترتدى عباءات سوداء مزخرفة يضحكن رغم الأسى ، سيدة حامل تقف ببطنها البارزة ، تتعلق بركبتيها طفلتها إبنة العامين فى محاولة منها لكى تحملها أمها ، فترفض الأم التى لا تحتمل أحمال أخرى ، تجلس سيدة على الرصيف بإبنها الرضيع فى حديث مطول مع زبون يحاول أن يفاصل معها فى قطعة قماش ، الجو حار وخانق ، وشارع ضيق جدا يحوي آلاف الأجساد والبضائع وخلف كل جسد قصص طويلة مع الفقر ، أخيرا وصلنا إلى المبنى المطلوب ، دق قلبى بشدة حين رأيت منادى السيارات الذى وقف بأسنانه البارزة شديدة الصفار يصرخ بنا ألا نركن هنا أمام بضاعته ، إنصعنا إلى أوامره ، دخلنا المبنى ودعنى أوضح أن المبنى تابع لوزارة الأوقاف ، مظهر العمارة لا تدل أبدا على أن بداخلها مقر تابع لتلك الوزارة ، فى الداخل المبنى عتيق جدا يوجد به ثلاث مصاعد واحد منهم معطل من العام الماضى حين جئت لأدفع القسط الأول كان معطلا أيضا ، صعدنا فى الثانى ودخلنا الغرفة المطلوبة ، التى يقع بداخلها عدة مكاتب صغيرة متلاصقة ، بعض المكاتب عليها مفارش تشبه مفارش المطبخ التى نضعها قبل الطعام ، مفارش مزخرفة بالزهور الحمراء ، الموظفين حالتهم عدم ، ملفات ورقية وكارتونية مكدسة أمامهم ، لا يوجد بين كل تلك المكاتب جهاز كمبيوتر ، سوى واحد فقط لا يجلس عليه أحد ، الورق مكدس وملقى بإهمال ، موظفات سمينات يبذلن جهدا مضاعفا حتى يقمن من أماكنهن ،بعض الموظفين يجلسون بين مكتبين ، لأن ليس الجميع لديهم مكاتب ، ينكبون على الأوراق و ظهورهم محنية ، ابتسمت ساخرة حين تذكرت ان بعض الشركات الخاصة " بتاعة المرفهين " ، تقوم بشراء مقاعد صحية مخصوصة لموظفيها حتى لا يؤلمهم ظهورهم فمابال هؤلاء !!!!! أكواب شاى ثقيلة سوداء هى كل متعتهم فى الحياة ، وللحق كل من كان فى الغرفة كان يعمل بجد واجتهاد عكس الفكرة الشائعة ان الموظفين الحكوميين جميعهم كسالى ، لن أنسى نظرة عين أحدهم حين رأى منظر الأموال المرصوصة على المكتب والتىى قام بوضعها أحد الزبائن ، عليه أن يعد آلاف مؤلفة بينما جيوبه لا تحوى سوى بضع جنيهات لشراء ساندويش فلافل يمسكه بلهفة كأنه يمسك الكنز الضائع ..هؤلاء الأشقياء لم تصب وجوههم الكادحة رياح التغيير لاقبل ولا بعد الثورة ...ومع ذلك الرضا والابتسام على وجوههم ، رضا يجعلك تخجل من نفسك ...بقلمى
الأحد، 6 أبريل 2014
تببتسم لى
وجه مستدير ، عينين صغيرتين سوداويتين أشبه بزيتونتين مغروستين في فطيرة ، فم رفيع مرسوم كخيط أحمر مبتسم نصف إبتسامة ، شبيه بنصف هلال ، جسد ممتلىء قصير داخل فستان ذو أكمام قصيرة ، لونه كلون القمح الفاتح تتناثر عليه زهور ملونة كثيرة وردية ولبنية ، كفوف صغيرة تتدلى من الأكمام ، أصابع رفيعة كأنها دبابيس سميكة ، تغريني للضغط عليها ، حين أتأمل الشعر أجد أنه عبارة عن خيوط برتقالية قليلة وذلك الفرق الذى يقسم شعر الرأس إلى نصفين ، فى كل نصف ملفوف بشريطة حمراء ، تجلس فى اطمئنان على كنبة صغيرة قطيفة بلون الباذنجان القاتم ، تنظر لى حيثما "إتجهت ، نظرة مليئة بالحنان أو هكذا أظن ، نظرتها خالية من أى نوع من أنواع العتاب أو اللوم أو التوبيخ ، عكس ما كنت أتوقع ، فلطالما أهملتها في ذلك الدولاب لسنوات طويلة ، حتى غطى التراب جسدها الرقيق ، وشعرها البرتقالى تحول إلى الرمادي ، شغلتنى عنها ظروف العمل والكتابة ونوبات الإكتئاب ومشاكل العائلة ، شغلنى عنها ايضا السخرية التى اراها فى عيون الآخرين و تلك العبارة " كبرتي ع الحاجات دى مش عيب واحدة في سنك ..تلعب بالعرايس ؟" ، اليوم حررتها من رقدتها الطويلة ، فتحت علي نفسي باب الطفولة البعيد حين فتحت ذلك الدولاب الملىء بدمى كثيرة ، سيارات صغيرة ، كور ملونة ، ومن بين كل هذا الزخم جذبت لعبتى المفضلة بين حضاني ، مسحت على ظهرها ، وكأنى أعتذر لها عن الغياب الطويل القاسي ، جذبنى من الإنغماس في هذا المشهد صوت أمى بالخارج تناديني " يلى عشان حنمشي رجعى كل حاجة مكانها " كان علىّ أن أرجعها فى الدولاب ولكنى شعرت بها تستغيث من الملل والاختناق من هذا السجن الصغير ، أجلستها من جديد على الكنبة ، ارسلت لها نظرة وداع ، خرجت من الغرفة و أطفأت النور، فجأة خيل إلىّ أن الزيتونتين تقطرا دمعا ، سمعت أمى تكرر ندائها ، وحين شارفت على الوصول لباب الشقة ومغادرتها ، لم يطاوعنى قلبى فجريت سريعا على الغرفة ، جذبتها و نزلت سريعا وفى الطريق الذى قطعته لأصل إلى السيارة تجاهلت نظرات الدهشة و السخرية التى ارسلتها أمى وزوجة البواب ولسان حالهم يقول " هى اتهبلت على كبر" بقلمى ......ياسمين احمد رافت
شوية مناديل - قصة قصيرة
"
مناديل يا بيه ...مناديل يا هانم "
طاف بأعوامه التسعة بين نوافذ السيارات المغلقة أمام برودة ذلك الصباح
القارص من صباحات شهر يناير ، ملابسه مهترئة ، يرتدى قميصا أسودا خفيفا ، يظهر
تحته جزء من شيئ كان فى الماضى بلوفر ، قطعة صوفية رثة بنية اللون ، يرتدى بنطلونا من المفترض أنه
جينز لكن لونه الأزرق إفتح من كثرة الإستخدام حتى بدا كأنه أبيض ، مشمر اليدين ،
يرتدى شيئا ما فى قدميه ، يطل منه أصابعه ا المختلطة بوحل
الشوارع ،كدت أجزم أن بعضا منها أوشك على التجمد ، شعره أشعث بنى اللون ، يتكور فى حلقات مغطاه بالغبار ، ووجهه قمحى ، يبدو عليه الإرهاق والجوع الشديد
، يحمل بيديه علب مناديل صغيرة ، فجأة توقف عند تلك السيارة السوداء الفارهة ، كان
البيه الجالس فاتح نصف النافذة فوجدها فرصة سانحة ، إقترب منه " مناديل يا
بيه" ...نظر له بنظرة إمتعاض ، وقال : شكر يا بنى : الطفل : بنص جنيه بس ،
الرجل / قلنا مش عايزين ، وأغلق النافذة فى وجهه ، هم أن يتحرك ليبحث عن سيارة
أخرى ، فتوقف الإشارة لفترة طويلة هى فرصة ذهبية لكى يبيع أكبر عدد ممكن من
المناديل وإلا فسوف تضربه والدته " أم سيد" الجالسة تشحد فى الشارع
المقابل ضربا مبرحا ، كعادتها حين يعود
صفر اليدين وتسمعه عباراتها المستهلكة " جتك خيبة يا واد ، جاى إيد ورا وإيد
قدام والنبى ليلتك ماهى معدية على خير " ، فجأة نظر إلى زوجة البيه التى
أرسلت له نظرات تعاطف شديدة ، شعر أنها رقت له ، تحرك فى الجهة المقابلة لنافذتها
المغلقة ، رآها تتحدث إلى زوجها البيه المتجهم ، إقترب أكثر من نافذتها المغلقة
وأخذ يشير لها بعلب المناديل ، رآها أخيرا تفتح حقيبتها الصغيرة الأنيقة و أدخلت
أصابعها الرقيقة ، تعبث بشىء ما داخلها ، إنفرجت أساريره ، شعر أنها ستخرج قرشين
حلوين ، سيضرب بجزء منه سيجارة ويعطى ما تبقى لأمه ، يديها طالت داخل الحقيبة ،
ربما لا تجد فكة ، سينتظرها ، ربما كانت ورقة بخمسة ، سيطير فرحا إذا حدث ذلك ، وأخيرا
فتحت الإشارة ، شعر بالخطر فالسيارة ستتحرك والسيدة لا تخرج ما فى يديها بعد ، لا
بأس سينتظرها ، فجأة أخرجت صباعا من الروج الأحمر مسحت به على شفتيها وهى تنظر فى
مرآة السيارة لتتأكد من حسنها ، فجأة ظهر وجهه فى المرآة ، أرسلت له نظرة تعاطف
أخيرة وإنطلقت السيارة بينما هو تسمر وقدميه قد إستقرت فى بركة من الوحل... بقلم ياسمين أحمد رأفت
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)


