شاء القدر ان يقذف بى بالصدفة البحتة للمشاركة فى ورشة كتابة منذ عدة أشهر
، وكانت نقطة تحول لى فى كل شىء، أولا الكتابة كانت ولازلت من أحب الأفعال لقلبى ،
هى متنفسى وقرارى الحر الذاتى الذى أفعله وحدى و أكون فيه فى مقابلة صريحة
وواضحة وصادقة مع نفسى و كأنى أجلس أمام
المرآة لا أمام الأوراق ، الورشة جاءت لى جائزة من الله و منحة جميلة هبطت علىّ فى
وقت كنت فيه ضائعة فى دهاليز الأحزان و الإكتئاب و التبعية لرغبات غيرى و إيثار من
حولى على نفسى ، فكانت ولأول مرة بالنسبة لى المشاركة فى نشاط ثقافى بمحض إرادتى
الحرة ، و أن أوافق على قضاء عطلتى الأسبوعية بالكامل فى هذا المكان الدافىء
الحالم الملهم كانت مفاجأة لنفسي ان افعل ذلك انا التى كنت اخشى ترك اهلى فى ايام
العطل و اشعر بشىء من وخز الضمير إذا تركتهم وحدهم فيكفيهم غيابى طيلة الاسبوع فى
العمل ولكنى تشجعت و كسرت الروتين المقيت ...
وذهبت إلى هناك مركز دوم الثقافى
الكائن فى العجوزة ، والذى كان يوما منزل رمسيس وصيا واصف ، منذ أن وطأت قدمى هناك
و شعرت برهبة غريبة و نوعا من الأريحية كأنى فى حلم ، منزل فى قاعدته فناء يتوسط
الفناء شجرة ضخمة عتيقة تقف بشموخ منذ مئات السنوات ، تشهد أغصانها و أوراقها التى
لا تكف عن السقوط و مداعبة رؤس الحالمين الجالسين تحتها ، من يفكر و من يقرأ و من
ينقد ومن يحاول ان يكتب ، المنزل من عدة طوابق و فى كل طابق قاعات سميت بأسماء
فنانين عمالقة وكتاب كسيد درويش و لطيفة
الزيات ، القاعات نوافذها كالمشربيات مما أثار شعورا بالسعادة لدى حيث انى اعشق كل
ما هو قديم و تراثى ، فى أول جلسة لنا من جلسات الورشة ، كنا نتحدث مع معلمتنا
وصاحبة فكرة الورشة وهى الكاتبة سحر الموجى ، إنسانة مختلفة عن كل ما رأيت من قبل
، متفتحة متحررة متحمسة لأى يد ترتعش و تتردد فى الكتابة ، تحاول بعينيها
الواسعتين العسليتين سبر أغوار أعماقك و إمتصاص كل ما يمكن أن يخرج منك للكتابة ،
كانت تتناقش معنا فى تمارين " الحواس " و كيفية إستخدام الحواس للمساعدة
على الكتابة عندما سمعنا رنات عود شرقية و أنشودة أطفال تنبعث من الطابق السفلى
للبيت " كان عندنا بيت ف الإمام ... كان عنده غية حمام " و كانت بروفة
لفرقة إسكندريلا التى كنت أجهلها ولا أعلم عنهم شيئا، جريت ووقفت عند قبة البيت
لأراهم من فوق ، شعرت كانه منزلى اتجول فيه كيف اشاء ، ورائحة الطبيخ الشهى
المنبعثة من المطبخ تفتح شهيتنا نحن الكتاب الصغار المبتدئين على الحياة و الكتابة
أكثر ، فى هذا المكان شعرت بمشاعر مختلطة بالحرية بالسعادة بإنى مخطوفة فى حلم
جميل و انى مختلفة عن نفسي القديمة وهذا اسعدنى جدا ، توسعت مداركى فقرأت لكتابا كنت اجهلهم كلطيفة الزيات و المخزنجى وبهاء طاهر و
عزت القمحاوى ، تعرفت على الكاتب خالد الخميسى صاحب كتاب " تاكسى " وهو
من يدير هذا الصرح الجميل ، فى هذا المكان تعلمت ألا أسرف فى الحزن و الرثاء على
نفسى حين أتعرض لمشكلة ما وعرفت شيئا خطيرا عن نفسي وهو انها لا تستمتع إلا فى
حضرة الكتب و الكتاب و الفن ، و ان الحياة ليست فقط عمل وبيت وطعام ، هناك الوانا
اخرى لم نجربها هناك آخر مختلف عنا لم
نعرفه ،هناك صناديق فى الحياة لم نفتحها بعد ، صناديق قد
تدهشنا محتوياتها و قد تمتعنا حلوى التجربة و قد تصدمنا ايضا و لكن فقط علينا ان
نجرب و تكفينا شرف المحاولة ، هناك فى صحبة الورشة تعرفت على الكثير والكثير صحبة
قد نختلف فى اعمارنا و مذاهبنا و اديانا و آرائنا السياسية و لكن يجمعنا شغف
الكتابة ووجع نداريه بابتسامة و دمعة نحبسها و نحن نتناول قهوتنا و تهب علينا
نسائم تحرك أغصان شجرة دوم ، أرواحنا تربت على بعضها دون ان نتعمد ذلك ، نشعر و
كأننا نعرف بعضنا منذ سنوات و شيئا فشييا تذوب الإختلافات ، فى هذا المكان تعلمت
ان اتحدث عن نفسيى بوضوح تام وبلا رتوش زائفة ـ أواجه عيوبها و أضع يدي على جروحها
، تعلمت ان احب الطبيعة و ان انتبه إلى
الخضرة حولى و إلى الطين و ان المس كل شىء بيدى اولا حتى يشعر به قلبى منذ ان
انتهيت من الورشة اصبحت اهتم بالزهور و بالطبيعة حولى اصبح رؤيتى للأشجار يسعدنى
وانا التى كنت لا اعطى لهذا الامر اهمية وكأن ما أرى من اشجار يذكرنى بجدتهم
القابعة هناك ..إمتننت بشدة لمعرفتى بهذا المكان وبالصحبة و بالشجرة وبالمعرفة ..
ولكن كما ان لكل تجربة مميزاتها وعيوبها فقد كان ايضا لتجربتى وجه آخر ، من بين
الصحبة كان هناك مسلمين و مسيحين ، كان هناك الكثير من المتحررين ولا غبار فى ذلك
، ولكن المؤلم حين ترى بنو ملتك ، من يعتنقوا نفس ديانتك يسخرون و ينتقدون من
احكامها ، و يتخذنوها مادة للسخرية ليضحكوا غيرهم من الاديان الاخرى ، كان آخر ما
كنت ما اتوقع ان اجده ،فى البداية حين رايتها شعرت ان هناك شيئا مختلفا بها ، كانت
تبدو فى البداية هادئة ، ذكرتنى بهيئتنا ايام المدرسة ، فى فترة الثانوى قبيل الحجاب
حينا كنا نربط شعورنا فى ذيل حصان طويل منسدل على ظهرنا ترتدى تقريبا نفس الطقم فى
معظم المرات ، ، عينيها بها شيىء من الحزن ملحوظ ، مستكينة و تظنها خاملة الا انها
حين طلب منا تمارين الكتابة ، كانت افضل واحدة تكتب و تعبر و تصف ، والجميع كان
مذهولا بها ، ومرة تلو أخرى شعرت من نظراتها انها لا تحبنى ، او لا أعجبها ، حاولت
ان اكسب ودها مرارا و تكرارا وان اتقرب منها لكنى كنت اشعر انها تنفر منى ، ولاحظت
انها تتقرب من غيرى من الزميلات فى الورشة الأكثر تحررا ، الجميع كان لطيفا الجميع
كان يضحك ولكنى كنت اشعر انها تأخذ جنبا منى ، وبعد عدة مرات وحين شارفت على اليأس
من صداقتها ، بدأ الثلج يذوب بيننا شيئا فشيئا ، بدأت تضحك لى ، وبدأ يعجبها ما
أقول ، ونجد ما نتفق عليه فى بعض الآراء الفنية والقفشات ، شعرت بالسعادة لذلك ، وبدأت أنتبه
لعباراتها ، فكانت دائما وابدا اسمعها تتحدث بأسى شديد عن امها الصعيدية المسيحية التى رحلت " للبر الغربى " منذ أربعة أشهر و كنت اسمعها ايضا تتحدث بغضب و
غيظ شديد عن اباها المسلم الذى لا تطيقه و الذى انفصلت بحياتها عنه عقب وفاة
والدتها لأسباب لاأعلمها ، شعرت بالتعاطف من اجلها كما شعرت ان هناك امرا جللا فى حياتها
تسبب فيه اباها مما جعلها تكرهه كذلك ، كانت معظم كتابتها تصب على والدتها التى لا
تنساها والتى كانت تحب النباتات وخاصة الريحان و جعلتها تحبه ، كانت تحكى لنا عن
زياراتها لاقاربها فى الصعيد من ناحية والدتها و عن ذهابها للكنيسة لتوفية ندر
لامها و سؤال الضابط عن بطاقتها وهى عند بوابة الكنيسة و اندهاشه لكونها مسلمة ،
شعرت منذ هذه الحظة ان هناك شيئا ما مريب ، ثم راقبت كتابتها ، هى تكتب مقالات
ولديها من دواوين الشعر بقلمها و كتابتها للحق جميلة ولكنى حين ركزت فيما تكتبه
على الفيس بوك رايت ان كثيرا من عباراتها تهاجم الاسلام والاسلاميين بطريقة واضحة
، سمعتها مرة تتهكم من كوننا نتجه الى قبلة محددة فى الصلاة و تتساءل بضحكة عالية
هو لازم يعنى الكعبة والسعودية ، متصلوا فى اى اتجاه!!!! ، سمعتها ايضا تقول ذات
مرة انها تشعر بالغضب الشديد " منه " وحين نظرت اليها وجدتها ترفع
بإصبعها ناحية السماء !! ، كانت تقول انها ناقمة على القدر وخاصة على موت والدتها
المفاجىء وحرمانها منها، ثم عرفت انها تتناول الخمر بكل أريحية بل و تتهكم علىّ
حين شعرت من وجهى اننى اتحفظ وارفض الشرب فى احدى جلساتنا ، حتى ان زميلتنا
القبطية الجميلة شعرت بالحرج من أجلى و تمنت لو لم تحضر تلك الفتاة الخمر فى
جلستنا و تسبب لى الضيق ، كانت تنتقد الأزهر و تقول انها تكره كلا من عمرو خالد و
معز مسعود فهما السبب فى ان فتيات كثيرات ارتدين الحجاب وهى لا تحب ذلك !!! . كنت
اسمع منها الكثير والكثير و أتساءل لماذا كل هذه الكراهية و محاولات التشويه
المستمرة لديننا الحنيف ، ولكنى حين تأملت شعرت والله أعلم ، انها تنتقم من والدها
فى صورة الدين ، تهاجم الدين الذى يعتنقه الأب الذى أذاها كثيرا ، و تقدس الدين
الذى اعتنقته الأم التى لطالما كانت رحيمة معاها ، ترفض كل القيود الذى يفرضه
عليها الدين الإسلامى فى صرخة منها اظنها
خفية لتصفع والدها ، ولكن بقى عندى مشاعر مختلطة تجاهها فانا اشعر بالغضب والغيرة
على ديننا حين تقوم بنقده و السخرية منه امام صديقاتنا الاقباط هؤلاء وللحق كانوا
يصمتون او يتحفظون على ارائها و يبادلونها بالإبتسام او الضحك فقط ، كنت اقول ترى
ماذا يقولون عنا ؟ ونحن من منا يتحدث كذلك ، واشعر ايضا بالشفقة من اجلها لان وضعها هكذا
حتما تسبب فيه والديها منذ 1 الصغر هم من جعلوها فى شتات من أمرها و الله اعلم
هكذا شعرت او من الممكن ان يكون رؤيتها
لنماذج من المسلمين المتعصبين خصوصا حين حكت لنا عن تجربتها المريرة فى جامعة الازهر و هؤلاء المنتقبات
اللاتى تعدين عليها بالضرب مرة لانها لا
تتحجب كل هذا كون لها صورة خاطئة و سيئة
عن الدين و قطعا لكل هؤلاء سامحهم الله تسببوا فى كراهيتها الحالية بدلا من ان
يوعظوا لها بالنصيحة الحسنة ، كنت اتمنى لها لو تترك الاسلام كلية و تعتنق
المسيحية ارحم لها و افضل من ان تكون كمن يرقص على السلالم قلبها وعقلها مع
المسيحية و لكن بطاقتها مع الاسلام ،والعجيب جدا انها كانت تحب الصوفية و هى التى
اقترحت علينا سماع الاناشيد الصوفية الجميلة لفرقة ابن عربى ، وهى التى تحب مولانا
جلال الدين الرومى و شمس التبريزى ، وكنت أتساءل هل من الممكن ان يغضب شخصا من
الله ومن الاسلام ولكن فى نفس ذات الوقت يحب الصوفية التى هى دين العشق الإلاهى ؟!!،
وجلال الرومى اليس كان عالما جليلا مسلما خالصا ؟!!! فلماذا هذا التناقض ؟!! ، لن
انسى انها ثارت بشدة حين تم وقف عرض فيلم حلاوة روح هذا الفيلم ذو القصة المريضة
لهيفاء وهبى ، وجدتها تدافع قائلة ان الفن لا يجب ان يكون به ضوابط عيب وحرام يجب
ان لا تمنع الدولة عنا اى انواع الفنون
وان هذه سلطة ابوية تعسفية هى ترفضها !!! وفى النهاية انا سعدت لانى تعرفت عليها و
علمت ان هناك " آخر " بأفكار مختلفة يجب ان نتعايش معه ،اشعر بالشفقة
عليها وأتمنى لها الهداية من قلبى و لا
انتقدها او احكم عليها و لكنى احمل الذنب... للكثير ممن كانوا حولها فى مرحلة
طفولتها و صباها وشكلوا لديها قيمة الدين احمل الآباء الذين يتزوجوا من غير ملتهم
و يتسببوا فى الشتات الذهنى و العقائدى لأولادهم ، احمل هؤلاء المتعصبين الذين
يدفعوا غيرهم لكى يمقتوا الدين و يشعروا وكأنه قيد يخنقهم ولا يدركوا انه طوق نجاة
سيأخذهم لبر الآمان لو فهموه الفهم الصحيح.بقلمى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق