السبت، 20 فبراير 2016

على قمة جبل


على قمة جبل جلست ، قدميها تتدلى و عيناها تسبح فى تلك البقاع الشاسعة على مد البصر ، تتامل تلك الربي الخضراء و الطرق التى تتخللها و السيارات التى تبدو من اعلى كلعب صغيرة ملونة تمضى بسرعة شديدة ، و البنايات البينة التى تقف بصمود وتتحمل داخلها كثير من الاجساد وتحوي كثيرا من الحكايات كثير منها مؤلم ولكنه مغلف بالتكتم و الكبرياء ، راح عقلها يسترجع كثير من الافكار ، جاءت الي هنا في محاولة للهروب من الواقع ولكن عقلها راح يهرب منها ليعود الي الواقع بتفاصيله القميئة من جديد ، سمعت صديقتها تقول يوما ان الخبث والقبح دوما في التفاصيل وليس في مجمل المشهد ، نعم فالمنظر من هنا لا يدل علي ان شيئا سيئا يحدث في تلك البلد كثيرة السكان ، ولكن من ينزل من اعلى الجبل و يختلط ليصبح جزءا من المشهد يلمس بنفسه الخبث و القبح ..
راحت تسترجع مبادىء كانت قد قراتها يوما و ترددت على مسامعها دائما الحق و العدل والجمال ، مبادىء جميلة حقا ندعي جميعنا اننا ننشدها و نسعي اليها خاصة العدل ولكن المتمعن فى الاحداث يجد ان جلّ ما ينقصنا هو العدل ، سرحت اكثر في تلك البنايات البعيدة المتدلى من امام نوافذها ملابس ملونة منشورة ... وفجأة قطبت حاجبيها فقد تذكرت ماحاولت جاهدة ان تنساه خاصة عندما جاءت الي هنا ، العدل المفقود ليس فقط خطيئة حكامنا الاعزاء ولكن قد يكون متأصل في جينات المواطنين ايضا  ، الظلم قد ياتى من اقرب المقربين و الكارثة انهم لا يدركون فداحة ظلمهم و يسمونه بشىء آخر وهو الخوف والمصلحة من اجل الاخرين ، يطوقونك بسلاسل حديدية فتدمى ذراعيك وتبكي وتصرخ بهم ولكنهم  يمرون عليك يمسحون بكفوفهم على شعرك ويقبلونك من جديد ثم يحكمون إغلاق السلاسل عليك ويهمسون بك ..نفعل ذلك من اجلك يا عزيزي يوما ما ستشكرنا على قسوتنا ... هم لا يدركون ان ذلك اليوم لن ياتي ، وان بمرور الوقت تلك الذكريات ( ذكري اسرهم لنا )  المريرة ستحاصرنا و تدمينا اكثر من السلالسل نفسها وتترك فينا غصة لا يمكن زوالها ...، نفضت من جديد راسها حين تذكرت صديقها الذي راسلها من يومين ... تذكرت صورته وبسمته البريئة ، تذكرت عفويته وحبه للحياة وحبه لحبيبته الشديد تذكرت ايضا تلك المسرحية الهزلية التى ستحدث اليوم والتى كانت من المفترض ان تكون احد الحاضرين الشاهدين عليها ، تلك المسرحية برعاية والده العزيز ، الوالد الذي من المفترض انه يحب ابنه ويخاف على مصلحته كثيرا ومن اجل ذلك استصدر حكما ان يتزوج ابنه من شابة صغيرة وطيبة ومطيعة واهلها غير متطلبين ، اقسم لابنه انه لن يتزوج سواها و من اجل ذلك رتب لعقد قرانهم سريعا حتى لا يستطيع ابنه التملص ، وابنه فى صراع دامي بين ارضاء الوالد وبين رغبته الشديدة في الزواج حتى يشبع احتياجاته وبين ايضا عذابه من حبه الشديد لتلك الحبيبة التى ارسل لها قبيل عقد قرانه بسويعات بانه يريد الهرب وانها ستظل الاجمل والاطيب من بين كل القلوب التى عرفها ، لم تنسي جملة صديقها حين صرح لها انه ارسل لحبيبته هذا الكلام وذلل حديثه انه ايقن ان الانسان منّا مسيّر وليس مخيّر ... الجميع اعتقد صديقها جبان ضعيف وخائن ولكنها كانت تعلم انه قليل الحيلة مسكين هي تشعر بالرثاء من اجله ، هذا الوالد في منظوره الشخصي انه يفعل الخير والمصلحة ويجهل تماما انه يوقع بالظلم الشديد على فلذة كبده وعلى تلك الصغيرة غير المتطلبة التي سيقرن اسمها باسم ابنه ، كالحاكم الظالم الذي يرفع الضرائب على شعبه البائس بدعوي انه يفعل ذلك لمصلحتهم ، يسجن صغارهم لانهم شباب طائش بدعوي انه يخاف على البلد من تهورهم وجنونهم وانه يريد ان يكبح شطوطهم ،اين تلك المبادىء التى تلقاها هؤلاء فى الكتب والمدارس .. الحق والعدل والجمال ,.... الحق والعدل مقتولين والجمال تحول الى قبح شديد ..

قامت من مكانها فالتامل لا يجدي نفعا والذكريات تحاصرها كلعنة ، سمعت من بعيد صوت المؤذن يكبر ويوحد ، فجأة تذكرت قريبها ذلك الشاب الملتزم ذو اللحية القصيرة ، هذا الشاب لطالما اختلفت معه ومع افكاره المضادة للحكومة والحاكم ،ولكن مشاعرها تجاهه تغيرت موءخرا اصبحت تشعر بالرثاء ايضا من اجله ،  ابتسمت ابتسامة ساخرة يكسوها الاسي وهي تتذكر موقفا حديثا  له حين دخل عليهم ذات ليلة فى يده حقيبة صغيرة سالته والدته ما هي قال لها ان جارهم " الظابط " قابله فى الشارع وقال له انه يقوم بتنظيف و تنظيم سيارته لانه بصدد السفر لمامورية عاجلة مدتها لن تقل عن ثلاثة ايام ، واعطاه تلك الحقيبة التى تحوي نتيجة العالم الجديد و اجندة وقال له ان هذه من نصيبه لانه يريد ان يتخلص من تلك الكراكيب الموجودة بالسيارة ، لاحظت انه وضع تلك الحقيبة بجانب الباب وانه لم يأخذها ولم يفرغها وحين سالته انا ووالدته قال لها انه يخشى ان يكون فخا وان يكون الظابط قد اخفي حرزا او شيئا من هذا القبيل فى تلك الحقيبة وانه لا يصدق انها هدية خالصة لوجه الله ، لكم شعرت بالاسي وهي تسمعه يقول هذا ، إلى هذا الحد انعدمت الثقة و اختفت المبادىء واصبح الخوف هو من يحركنا ؟ّ! راقبت عيون قريبها وهو ينظر الي تلك الحقيبة ويقول ، " انا اصلا مش محتاج نتايج ، انا ممكن اديها لعم محمود البواب افيد " فردت والدته وقالت " وذنب عم محمود ايه نبتليه بمصيبة ؟ّ!!" نظرت الي الحقيبة وتفحصت محتوياتها ونظرت لهم بشفقة وقالت " ولكنها مجرد نتيجة "... بقلمي 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق