الجمعة، 26 فبراير 2016

الذبول


ليس جديدا عليها شعور انها تذبل يوما بعد آخر ، كزهرة مقطوفة ملقاه بإهمال على إحدى الطاولات او ربما منسية .. لم يعد يغريها جلّ ما تراه او تسمعه ، والذي يغريها وهذا نادرا جدا لا تلقى منه سوى المزيد من الإهمال ليكلل ويكمل دوره فى مشهد الحياة عديمة الطعم حولها ... باتت تشعر ان الوحدة التى تفرضها على نفسها على الرغم انها  تجلب الراحة الا انها حين تفكر بها تجدها مخيفة ..اصبحت تكره وتخشى مخالطة الناس حتى المقربين منهم ... لا تحب الإنغماس فى احاديث العمل مع الزملاء " البلاستيكين" ولا تحب الإنخراط فى ثرثرة الاسرة واحاديثهم ايضا ، اصبحت ترى مساحات شاسعة نفسية تفصلها عنهم ولا تريد تقريب تلك الساحات ، حتى الكتابة باتت تخشاها لعلمها ان ما تكتبه ربما يكون مكررا او ربما لن يلق استحسانا او قبولا فى الدائرة التى تلقيها بينهم ، هي وحيدة هذه هي الحقيقة الاكيدة التى لا تدعى مجالا للشك ... كل هذا الكوكب بساحاته الشاسعة لا تجد فيه ونسا او انسا يملأ الخواء داخلها ... وهناك من اعتقدت ان نداءتها ستصلهم وان اهتمامها بهم سيربط ما كان قد انقطع يوما ولكن حتى هؤلاء راحوا يسقوها بمزيد من الجفاء و الابتعاد يمنعوا عنها مياه الاهتمام فبات الذبول هو النتيجة ...

العمل :

ملخص ما تشهده فى عملها يتلخص فى ثلاث كلمات " مال- نفاق - ظلم "

المال هو السبب الاساسي بل الوحيد لبقاء هؤلاء في هذا المكان كل تلك السنوات ... الراتب السمين الذي تحويه جيوبهم و تضيق به ذرعا فتضع ما تبقي منه فى ارصدتهم ، ليدخلوا بها اولادهم فى المدارس الاجنبيه ، ليتفاخروا بهم و هم يتحدثون الانجليزيه بطلاقة و يفرحون بهم وهم يبتعدون عن عربيتهم " الأم "، المال الذي يجعلهم يمسكون حقائب و ينتعلون احذيه ذات ماركات عالميه ،و ينطلقون بسيارات فارهة تقبع فى شارع الشركة باريحيه و زهو تنتظر اصحابها .. نعم المال الذي يجعلهم يستمرون فى المجىء لمكان لا يضيف لهم اي علم او تقدم وظيفي بل يزيد من ارصدتهم وبطونهم ، وهي ايضا لازالت هناك تنفيذا لوصية والدها او انصياعا لرغبة والدتها ، هما يريدان لها حياة مرفهة ومرتب ضخم وهي هل كانت تريد ذلك او تسعد به ؟ الاجابة لا .. هي هناك لقرب المكان والاستقرار وطاعة للوالدين ولكنها لم ولن تشعر بالسعادة فى تلك الاجواء المزيفة الخالية من اي اضافة علمية او عملية ... نسي والدها حين اتى بها الى هذا المكان مقولة د. خولة حمدى " زهرة الياسمين تذبل بسرعة حين تغادر تربتها و تنسق فى شكل (( مشموم )) جميل". 

النفاق : النفاق هو اكثر ما تراه العين فى هذا المكان .. نفاق المعاملات ، الاحضان الزائفة ، الابتسامات المصطنعة ، العيون التى تفضح بما فى القلوب ... النفاق هو الورد اليومى لجميعهم لا يمكن تفويته ، وان تخلوا عنه تعروا وانفضح الامر ، وهذا ما حدث لبعضهم ، حين تضخمت صدورهم بما تحويه من غيره وكراهية وباءت محاولات النفاق بالفشل  و اصبحت الاحضان مدببة بأشواك الغيرة  و الابتسامات باهته انفجر بعضهم فى وجه الآخر و تصاعد دخان كريه من العبارات غير اللائقة ولكنها كانت حقيقية ، نشأ عن تلك الانفجارات قطيعة بين بعضهم ، اصبحت هناك ثنائيات تحمل كراهية و تعلن القطيعة بشكل واضح وصريح وعليها ان تجامل كل تلك الاطراف واذا حدث و لانت بالحديث مع طرف دون الاخر نشبت الحرب عليها فعليها ان تتواصل مع الجميع ولكن بحساسية مفرطة ، تشعر انها منافقة مثلهم ولا تختلف عنهم فى شىء فهي ايضا حين يشكو اليها احدي الاطراف تقول له انه على حق حتى لا تجعله يغضب منها وبعد سويعات قليلة يأتيها الطرف المضاد ليبث لها شكوى مماثلة و يكرر لسانها من جديد عبارات التهدئة التى تحوى حقيقة انه على صواب .فهى لا تملك الشجاعة الكافية لكي تقول لطرف دون الاخر انه على خطأ خشية من انفجارات قادمة عليها لا تملك القوى لكي تقاوم فيها .. تكفيها الحرب الدائرة فى راسها المزدحم ونفسها الذابلة . النفاق تلقاه فى الترحيب المبالغ بالمديرين حين يصلوا الى مقر العمل وكأنهم عائدون من حرب ضد العدو  منتصرين ..النفاق قد تلقاه فى ابتسامة سمجه من موظفة وهي تهم بالدخول الى مكتب مديرها ليثرثروا فى اي موضوع دون العمل ..

الظلم : يتجلى فى ابهى صوره ،حين تجد ان من ليس له ظهرا او واسطة ما لا يترقى ولا يتثبت بل ويطلبون منه اضعافا من العمل غير ذلك الذي لدي عقد دائم ، تجده حين تراه ان هناك قطاعا شاسعا يتميز برواتبه الضخمة ولكن العمل فيه قليل والكسل فيه منتشر بينما هناك قطاعات اخرى العمل فيها كثير و مضنى والرواتب فيها زهيدة ، لماذا هذا الخلل فى كل شىء ؟ كل تلك الصور من الخلل تزيد من ذبولها يوما بعد يوم ناهيك عن احباطتها العاطفية والاسرية .. بقلمي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق