أمضيت فترة كبيرة من عمرى و دفعت الكثير من أعصابي فى تنحية رغباتى الصغيرة
المستقلة جانبا ووضع رغبات غيرى قبلى ، قضيت وقتا طويلا و أنا أنكر إنى أفتقد طعم
الفرحة الحقيقية فى محاولاتى البائسة لتقربى من الذين أحبهم ووضع الأولوية دوما
لهم و أنا ألهث وراء ما يريدونه و ما يحبونه و نسيت نفسي تماما و لم أحاول أن
أسألها يوما متى ستقومين بما تحبين أنت ؟ إلى متى ستظلى مثل الظل الباهت تسيرين
خلفهم ، لحمايتهم ، لمراقبتهم ، لإسعادهم و انت روحك تذبل يوما بعد يوم ؟ وليتهم
يبادلونك نفس المحبة أو يشعرون بما تقومين به ، بل إن المفاجأة أنهم على استعداد
للتضحية بك مقابل البعض ، هذه الأيام ولو مرة ، رفعت الستار عن نفسك الجديدة ،
نفسك التى تستطيع أن تقول لهم " لا " سأفعل فقط ما أريد أنا و سأحتفى
بأفراحى الصغيرة المستقلة بعيدا عنكم طالما أنها لا تؤذيكم ، سأكون أنا ، ولن أكون
ظل أو قطة تسير فى خنوع خلف أصحابها ، تعبت من التبعية ، تعبت من دور السنيد ،
أريد أن أنتزع نفسى من تلك الدائرة و أصنع دائرتى البعيدة ... هناك طعم فريد وممتع
من الرضا و السعادة أتذوقها لأول مرة وأنا أبتعد ...والمفاجأة أبتعد عن من أحبهم ،
وجدت أن أحيانا تكون العلاقات صحية أكثر بينى وبينهم فى البعد ، الاقتراب لا
يزيدنى إلا شقاءا ، فى البعد عنهم أكون أنا و يكونوا هم وكل منا سعيد بعالمه فى
الاقتراب يزعجهم اهتمامى الزائد الخانق بهم و يزعجنى ويرهق اعصابى الخوف عليهم و
الجحود منهم ....حقا فى البعد راحة فى البعد محافظة عل كيان كل منا ، يكفينى
اتصالا بهم اطمئن به قلبى وضميرى ..عليهم ...هم لا يزالون فى القلب ولكن العقل قد
انهى عصر السذاجة و بدأ عصر الإفاقة . بقلمى
الجمعة، 28 مارس 2014
بطلة الفيلم
وفى ظلام القاعة الدامس ، وإنارة الشاشة الكبيرة التى ألقت بضوئها على
وجهها ذو النظرات المتربصة ، صوت حبيبات الفشار وهى تقضمها بأسنانها واحدة تلو
الأخرى بلاتوقف ، تشاهد بتركيز وعينين مفتوحتين على آخرهما ، تشاهد بطلة الفيلم الجميلية التى راحت تتراقص برقة و و تتحرك فى
رشاقة و تدعى سعادتها المكسوة بالكبرياء فى حفل زواج حبيبها من أخرى وكأنها تعلن
للعالم أنها لم تعد تكترث له بعد الآن و أنها ستحتفى بكيانها و أنوثتها على الرغم
من القهر والقمع الساكنين فى أرجاء نفسها ، على الرغم من صدمتها و إنهيار قصر
الوهم الذى وضعت لبناته من سذاجتها وبرائتها حتى راح هو بقسوته يهدم كل ما بنته فى
سنوات ، تخيلت هى الأخرى فرح ذلك المغرور ، متى سيعلن هو الآخر إرتباطه حتى ترتدى
أزهى ما لديها و تذهب و تبارك ، إنها تنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر ، لن تستطيع أن
ترقص مثل تلك البطلة فخجلها سيمنعها و عيون الآخرين اللائمين ، لكنها حتما سترتدى
فستانا رائعا بلون الليل الأسود سيحيط خصرها شريطا أبيضا من الستان ، سترتدى الكعب
العالى الذى تكرهه فقط لتكون أنثى جميلة فى ليلة عرسه ، ستلسم عليه و تبارك له فى
حبور ، و سترسم إبتسامة عريضة ، ستقبل عروسه التى ستنزع تلك الليلة قلبها و تأخذ
منها غرام عمرها لكن هذا لم يعد مهم المهم أن تحافظ على كبريائها مثل تلك البطلة ،
المهم ألا تظهر فى دور المخدوعة المصدومة المقهورة ، يكفيها القهر الذى عاشته منه
سنوات أما الآن فهى أنثى قوية ستطلب من المصور أن يلتقط لها صورة وهى تحمل باقة
الزهور التى حملتها عروس حبيبها ، ستبتسم ابتسامتها العريضة للكاميرا و ستخلد تلك
الصورة مدى الحياة ، فجأة أفاقتها صديقتها الجالسة بجانبها فى السينما " انتى
سرحانة فى ايه يلى الفيلم خلص ....قومى بقى الناس ورانا " بقلمى
الجمعة، 21 مارس 2014
أم البطل
أن تقرأ خبرا عن مقتل أو استشهاد أحد الجنود أو الضباط فى شريط الأخبار السريع الرفيع و أنت تتناول وجبتك السريعة و تقلب بين القنوات فى ملل باحثا عن مسلسلا تركيا أو برنامجا غنائيا ، فتقطب جبينك و تستاء قليلا ثم ما تلبث أن تقلب القناة لتنسى الخبر و تندمج مع شيئا سارا ينسيك ما يعكر صفوك ، إنك قطعا لا تعرف عن الأمر شيئا سوى تلك الثانية التى قطبت بها جبينك وشعرت بالإستياء من الأرواح التى زهقت لم تجرب يوما أن تذهب أعمق من ذلك و أن ترى الكواليس خلف الستائر الغامقة خلف ملابس الحداد ، هناك وجوه كتب لها القدر أن تقطب جبينها العمر كله ، هى وجوه أسرة ذلك الغائب ، فى هذه الليلة شاء القدر أن أجالس أسرة أخذت تربي نبتتها الخضراء الصغيرة يوما بعد آخر حتى إشتد عودها فزرعته فى قنا ، وبين عشية و ضحاها هجم عليها صياد ماكر فاقتلع العود وعاد به إلى أسرته محملا فى صندوق خشبي صغير ، حتى لم يجدوا صندوقا مناسبا لطول العود الأخضر ، أقصد ولدهم الشاب ابن الثالثة والعشرون ربيعا ، فجأة إنتهى كل شىء وأصبح ذلك الأخضر الخصب أصفرا معفرا تحت التراب ، أصبح لزاما عليهم إذا شعروا بالإشتياق له أن يجمعوا صوره كلها و يتأملوا وجهه من جديد ، أصبح كل منهم يلوم نفسه أنه لم يلتقط صورا كثيرة معه ، أمه تلوم نفسها لأنها يوما وبخته و صرخت به ، أخته تلوم نفسها لأنها إنشغلت عنه بصديقاتها وخروجتها ، أباه لم يعطيه قسطا كافيا من الحنان كان يريد أن يجعله رجلا صلبا لا يخشى شيئا ، وفجأة أصبح يعض على أصابعه من الندم لأنه لن تتاح له الفرصة أن يعبر له عن هذا الفيض من الحنان ، والدته أصبح كالعصفور المرتجف المبتل من أمطار الدموع ، إحتضنتها بشدة و بدلا من أواسيها ، إنفجرت باكية فاختلطت دموعى و دموعها العذبة شعرت بقلبها ينتفض تمنيت لو أضع يدي عليه لأهدىء من نبضاته و لكن كان علىّ أن أمشى سريعا حتى أتيح لغيرى واجب العزاء ..اليوم حاولت الاتصال بها فقط لأقول لها أنا هنا ققد لا استطيع تعويضك ما فقدت لكنة لا اريد ان اتركك كلما اغمضت عيني سمعت إنتفاضة قلبك الحزين ، أدرت رقم هاتفها وجائنى الرد " الهاتف قد يكون مغلقا او غير متاح " اترك رسالتك " كل عام وانتى بخير يا أم الشهيد " بقلمى
الأحد، 16 مارس 2014
" دقية ملوخية " أول قصة قصيرة لى بالعامية
بصت من فتحات شيش أوضتها المقفول ، كانت الرؤية ضعيفة مش كل حاجة شايفاها ، لكن سامعة الأصوات بوضوح ، سامعة ضحكاتهم و كلامهم و تجاربهم ، سامعة طقطقة الشوك و السكاكين وهى بتخبط فى الأطباق ، قادرة تلمح االترابيزة الطويلة المفروش عليها مفرش كاروهات أخضر فأبيض ، قادرة تشوف عددهم لكن مش مفسرة أوي ملامحهم أو مش مهتمة إنها تركز فيها ، وش واحد بس هو اللى فارق معاها ، وصوت حنين رزين بيكلمهم عن حرية المرأة و المساواة ، عن نقطة التحول الموجودة فى حياة أشخاص كتير قرروا يتغيروا و يتمردوا و يقولوا " لا" كفاية كده مش حكون مجرد " يويو" فى إيد حد اكتر من كده ، سواء زوج متعسف أو أب ظالم أو غيره، المشهد غيم فجأة في عينيها يمكن عشان الدموع زادت و غرقت النني ، " ياريتها كانت أمى" غصب عنها خرجت منها الجملة نطت من قلبها على لسانها من غير وعى من غير متاخد إذن من العقل عشان تقولها ولا متقولهاش ، ياريتنى أقدر أنط من الشباك وأنزل أقعد معاهم و أتكلم وأفضفض يمكن أرتاح ، ياريتنى أعرفها بنفسي و بوجعى يمكن تقدر تنقذني ، فجأة سمعت حد فيهم بيقول " فيه ريحة تقلية جامدة ، جاية من البيت اللى ورانا ؟" ورد واحد تاني " ده أكيد حماته بتحبه الى حياكل الملوخية دى " مش انتوا هنا عاملين لينا إسكالوب والحاجات الصايصة دى /
ابتسمت فى مرارة وهى تسمعهم يتحدثون عن الملوخية اللى بتعملها أمها من صباحية ربنا وقربت تنده لها عشان تخرج تاكل معاها هى وأبوها الحج حسني ، مسحت دمعة ساخنة جرت على وجهها " مش خارجة ومش واكلة " كفاية اللى سمعتوه منهم النهاردة ، كفاية التبكيت و البستفة الى سمعتها من ابويا ، و التريأة اللى اخدتها من امى ، مش قادرين لسه يبلعوا موضوع طلاقي شايفين انى بوظت علاقتهم بعمى عشان طلبت الطلاق من ابنه ، ابنه البصباص ، ابنه الى يوماتي يضربني ، كانه شايفين انى ارضى بتصيبي و مزعلش أخين من بعض ، .... أه لو يسمعوها آه لو يفهموا كلامها عن المر|أة و الإستقلال والكرامة ....آه لو يشوفوا الستات الى عقولها متنورة لما بتتحرر من قيد الأزواج الغبية الظالمة ممكن تعمل ايه و تكون ايه ...... آه لو يفهموا ان الست مش جواز وخلفة وصدر وعيل وحلة وبس ..... ويفهموا ازاي ؟ّ!! ..
فتحت الشيش بشويش عشان تشوف وشها بوضوح ، لقيتها قاعدة زي الشمس فى أول الصبح واضحة وصريحة وشها بيطلع منه النور وشعرها الطويل المجعد كأنه آشعة الشمس ، كاتبة كبيرة قاعدة مع مبتدئين فى حوش المركز الثقافي اللى فى ضهر بيتهم ، مراقباها بقالها جمعتبن وبتسمع كلامها وهى مفتونة بيها ، كل جمعة تقول حتتحجج بأى حاجة و تنزل تسلم عليها و تتعرف أكتر ، بس بتخاف و بتتكسف و مش بتبقى عارفة تقول لأمها ايه ، نزولها و طلوعها بقى بسين وجيم من ساعة طلاقها كأنها عاملة عاملة ولازم تتحبس ليل ونهار ، وان نزلت يكونوا رجليهم على رجليها وبعدين لو حتى نزلت حتقولها ايه هى مبتعرفش تكتب قصص ولا روايات زيهم بس يمكن حياتها ممكن تبقى قصة كبيرة مخطرتش على بال كاتب منهم قبل كده ، مسحت كل دموعها اللى نزلت جري على وشها وقررت انها النهاردة حتنزل و تسلم عليها واللى يحصل يحصل ، ابتسمت وهيا بتتخيل انها بتحضنها و تطبطب عليها ، ياااااه بقالها ككتير محدش طبطب عليها حتى امها حتى جوزها عمره مفكر يطبطب عليها ، حركة صغيرة بس بتريح وللاسف محدش بقى بيفتكر يعملها معاها و فجأة .... " بت يا عطيات ، تعالي ساعدينى وودي معايا الأطباق ، كفاكي تنبلة و بحلقة فى الشباك يا موكوسة وتعالي ساعدي امك التعبانة " الصوت كان عالى جدا ، فجأة بصوا كلهم فى اتجاه البيت وضحكوا من الصوت ، اتكسفت جدا وقفلت الشيش تانى على أمها تاكوجريت ل الملوخية. بقلم ياسمين أحمد رأفت
الثلاثاء، 11 مارس 2014
لو أنني
فقط لو أنني
أمتلك قدرة خارقة لكنت تخفيت ورقدت فى حقيبة سيارتك الخلفية المنطلقة للمطار ،
لكنت هربت معك دون علمك حيث تذهب ، لكنت تفاجئت بي و أنت تفرغ حقيبة سفرك فى هذا
الفندق البعيد ، وضحكت وانا ارى علامات الدهشة ترتسم على صفحة وجهك الوسيم وتتساءل
" كيف وصلت لهنا ؟ لكنت طمأنتك أنى لن أزعجك طويلا ولن أفسد عليك إجازتك فقط
سأتبعك فى صمت كقطتك التى أحسدها و التى تحصل على قسط من حنانك كل ليلة بينما تمسح
بكفك العريضة على شعرها الكثيف فتغمغم و تسدل ستائر أجفانها و ترتخى على ركبتيك
حتى تنام ، ليتها تشعر قدر النعمة التى تنعم بها ليتها تعلم أنها نالت ما حرمت منه
طيلة عمرى ، ليتنى أمتلك قدرة خارقة لكنت تخفيت فى أرجاء البار الذى تدخله أنت و
أصدقاؤك و كنت راقبت عيونك التى تسير خلف الفتيات الفاتنات الغربيات لكنت رأيت أى
الألوان تجذبك وأى الملابس تعجبك وأى قصات الشعر التى تروق لك وأقسم لك كنت تحولت
على الفور طالما هذا سيرضيك ، ليتنى تخفيت فى هذا المكان الأثري و كنت حجرا بسيطا
تمر بجانبه و ترتكن عليه و تتخذ صورا متتابعة لك ولرفاقك ، ليتنى ركبت على جناح تلك
الطائرة العائدة بك إلى الوطن بعد غياب فقط لكى أحفظك من نجوم السماء التى حتما
ستحسدك لأنك دوما تضيىء أكثر منها و يبايعك القمر سيده و تغازلك الشمس فى صحوها
المشرق... بقلمي
الأحد، 9 مارس 2014
صخب التسوق
خصومات ، خصومات ، ملابس ملونة كثيرة معلقة على الحوامل المعدنية ، المحل يكتظ بالناس ، أغلبهم من النساء ، فتيات ممتلئات يحاولن بكل جهدهن أن يجدوا مقاس مناسب لهن ، وأخريات ينتظرن دورهن للدخول فى غرفة القياس ، أم تمشى و تجر أطفالها الثلاثة ، الصغير منهم يبكى بحرقة عند محاولة كبيرهم أن يحمله رغما عنه حتى ينتقلوا إلى قسم آخر من المحل ، الأم مبتسمة ولا تكترث ببكاء الطفل ، بائع يتأمل إحدهن فى خبث وعندما انتبه لنظراتي إليه خفض بصره و تظاهر باللامبالاة ، بائع آخر يبحث عن فكة فالهانم أعطته 200 جنيه ولايستطيع العثور ع الفكة ، بائعة شابة تضع قلما من الروج فاقع اللون وتسدل شعرها حالك السواد على وجهها بطريقة غريبة تنظر لزميلتها بطريقة كيدية كأنها تتباهى بجمالها المزعوم مع إنها ليست جميلة ،أصوات عالية وموسيقى صاخبة تهز المكان ، هل يتعمد أصحاب المحلات تشغيل موسيق عالية حتى يفقد الناس تركيزهم و تتملكهم الإثارة فيهجموا على الملابس هجوما شرسا ، روائح عطورمختلفة تلف االمكان ،أكره أجواء التسوق الصاخبة ، أسير بتثاقل شديد وأتمنى لو تحليت بالجراءة لكى أقترح على صديقتى العودة إلى البيت ولكنى خشيت أن تغضب مني ، أتأمل من حولي بينما راحت صديقتي تتأمل الموديلات الجديدة ، أمشى ببطء وكأن هناك أحد يدفعنى لأتحرك، وفجأة وجدتها سيدة سبعينية ممتلئة تجلس فى هدوء على مقعد صغير بجانب باب المحل ، تلف رأسها بإيشارب صغير أبيض مربع ، عينيها كلون الكومثرة تتشابه مع جيبتها الخضراء الواسعة ، ترتدى بلوزة بيضاء ناصعة ، ملابسها من الطراز القديم ، على وجهها ملامح الإرهاق والملل والحزن تجلس بجانب حفيدتها فى هدوء التي ا تشبهها ولكنها لا تمتلك ألوان ورائحة الفواكه مثلها ، يجلسن فى صمت وتأمل أخذت أتأملهم ، يبدو عليها أنها قضت يوما مرهقا ، تلف وراء ابنتها التى لا تشبع عينيها من التأمل فى واجهات المحلات ولا تقنع بأن الليل قد هجم وعليهم العودة من حيث أتوا مراعاة لصحة والدتها العجوزة ،لوهلة شعرت أنى أريد اصطحاب تلك السيدة والرجوع إلى منزلى نرتاح سويا و نجلس على أريكة نتحسى الشاى وتحكى لى حكايا الجدود التى أفتقدها ونشاهد فيلما أ[يض وأسود أو نسمع " سومة"
، فكلا منا لا تكترث للموضة وكلا منا منزعج من هذا الصخب العبثي وكل منا ينتمى لزمن آخر غير هذا الزمان مع أشخاص يتضطر للسير وراء ميولهم التى لا تعجبنا - بقلمي
، فكلا منا لا تكترث للموضة وكلا منا منزعج من هذا الصخب العبثي وكل منا ينتمى لزمن آخر غير هذا الزمان مع أشخاص يتضطر للسير وراء ميولهم التى لا تعجبنا - بقلمي
الأحد، 2 مارس 2014
واجب عزاء
واجب عزاء فى الليل يستلزم سفرنا لبلدتنا
القديمة ، واجهت نفسي بحقيقة إنى أصبحت أحب الذهاب إلى سرادق العزاء ، وحاولت أن
أفكر فى الاسباب العميقة لحبى الغريب هذا فوجدت أنه ربما فى تلك المناسبة أستطيع أن أعبر عن بعض من مشاعر الحزن التى
أخفيها طيلة الوقت فتتحرر على وجهى دون أن يسألني أحد ماذا بك ؟ أستطيع أن أظهر دموعي دون خجل ، ولن
يجرؤ أحد على الاستفهام حول سبب جريان تلك الدموع ، كما أن سماع تلاوة القرآن بصوت
مرتفع تجعلني أفيق من غفوتى الطويلة و بعدى عن الله ، فى العزاء أيضا أرى أقاربى
الذين لا تجمعني بهم الأيام العادية و يفتقدهم القلب بشدة فيجد من تلك المناسبة
فرصة لرؤيتهم و إحتضانهم حقا " رب ضارة نافعة " إنطلقنا بسيارتنا فى ذلك
الطريق الزراعي الطويل ، تشابهت مع السماء فى تلك الليلة فكلانا متشح بالسواد ،
تكاسل القمر و لم يظهر ، تشابهت أيضا مع تلك الأشجار و النخيل المتناثر على جانبي
الطريق والذي لطالما شعرت أنه ينتظر مثلى أحبائه ليسلم عليهم و يودعهم بعد ذلك
بسويعات ، ينتظر المسافرين و يودع العائدين ، تسللت إلى أنفي تلك الرائحة التى
أعرفها جيدا فهى علامة مميزة لذلك الطريق
" رائحة حرق قش الأرز" على الرغم أنها كريهة إلا إني بت أحبها فهى ترتبط
عندى بذلك الطريق الذى لطالما سافرت مع والدى فيه رحمة الله عليه فى الزمن الجميل
، فتحت النافذة على الرغم من توبيخ أمى التى تطالبنى دوما بغلقها حتى لا يتسرب
إلينا الغبار وعوادم السيارات ، تلك الأخيرة التى راحت تتكدس واحدة تلو الأخرى و
تلتهم الفراغات الموجودة فى كل شارع سيارات نقل كبيرة عليها كثير من البضائع
والزحام لا يطاق ، أبواق السيارات كادت أن تصيبنى بالصمم فوضعت فى أذني السماعات
ورحت أتلذذ بسماع كاظم وأسرح بكلماته بينما حولى المشهد يزداد إزدحاما و الناس
تتكدس و تكتظ أكثر فأكثر ، تجاوزنا الزحام وبدأت تلك الغيطان تظهر شيئا فشيئا و
تلك المصانع الصغيرة و المنازل الطينية البسيطة المتراصة و المنبعث منها أضواء
ملونة بالفسفورى و الأزرق والأحمر ، تلك المأذنة فى الظلام خوفتنى كثيرا تخيلتها
رجل طويل و نحيل يقف صامدا وسط الظلام ، وصلنا بعد ساعتين و نصف تقريبا إلى البيت
الكبير ، هكذا يطلقون عليه على الرغم أنه ليس بكبير ، هو فقط منزل الجدة ، منزل
ريفي بسيط ، فى شارع جانبي ، بابه مفتوح دوما للزوار ، يجلس على أول سلمتين منه
الأحفاد الصغار يقفزون و يلعبون أمام السيارات دون خوف أو تردد ، دخلنا إلى الصالة
الكبيرة حيث تجلس نساء العيلة ، سيدات ممتلئات ومتشحات بالسواد ، على ملامحهن كل
علامات الإجهاد والطيبة ، يفتحن أذرعهن لإحتوائك فتغوص داخل قلوبهن العامرة
بالنقاء والصفاء ، يحاولن الإبتسام فى وجهك على الرغم من جروحهن الغائرة و حزنهم
على الفقيد ، يصنعون لك كوبا من الشاى الثقيل الأسود ، تتجرعه لكي لا تحرجهم على
الرغم من مرارته لكن ترحابهم يضفو على الجلسة مزيدا من السكر ، تأملت البيت والجدران
المتهالكة و الطلاء الذى يتساقط ، والوجوه المجهدة ، كلا منهن تعتبر كل فتاة
إبنتها وكل صبي إبنها ليس بينهم تكليف أو تحفظ أو كبر ، يتعاملوا بعفوية مطلقة ، وحين
همت أمى بالقيام تمنيت شيئا واحدا تمنيت
أن أجرى على إحدى غرف النوم و أنام وسطهم ولا أعود إلى المدينة ، هنا على الرغم أن
كل شىء قديم وفقير ولكن قلوبهم جميلة وجديدة كأنها خلقت للتو عكس المدينة الأثاث
جديد وفاخر والقلوب سوداء و صدئة .....2-3-2014
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)






